“حين يفشل الجميع.. أطفال آيت إيحيا بين غياب الدولة وصمت المؤسسات”

0 240

محمد النوري

في مشهدٍ لا يحتاج إلى كثير شرح، تكشف بقايا علب “السيليسيون” الملقاة على قارعة الطريق حقيقةً مُرّة: الدولة، بكل مؤسساتها، غائبة حين يتعلق الأمر بحماية الطفولة. ليس لأن القوانين غير موجودة، بل لأن التنفيذ ضعيف، والرقابة موسمية، والمحاسبة انتقائية.

ما يقع اليوم في آيت إيحيا ليس حادثاً عرضياً ولا “سلوكاً فردياً”، بل نتيجة مباشرة لتراكم الإهمال المؤسسي. أين تقف وزارات التربية والصحة والداخلية والتجارة والشباب؟ وأين دور الجماعات الترابية والسلطات المحلية حين تتحول الحوانت إلى منافذ مفتوحة لبيع مواد مضرة لقاصرين؟ الصمت هنا تواطؤ، والحياد تقصير، والتبرير إساءة لذكاء المواطنين.

الدولة التي ترفع شعارات “حماية الطفولة” مطالَبة اليوم بإجابات عملية، لا ببلاغات إنشائية. أين حملات التفتيش؟ أين العقوبات؟ أين برامج الوقاية داخل المدارس؟ وكيف يُعقل أن تُترك مواد خطرة في متناول أطفال، بينما تُشدّد الإجراءات على تفاصيل أقل خطورة؟ هذا الخلل في ترتيب الأولويات يُفقد السياسات العمومية معناها، ويحوّلها إلى عناوين بلا أثر.

إن الطفل ليس ملفاً مؤجلاً، ولا رقماً في تقرير سنوي. الطفل كائن هشّ يحتاج دولة يقظة، ومؤسسات حاضرة، ومجتمعاً محمياً بالقانون لا بالشعارات. وحين تفشل الدولة في أبسط واجباتها—الوقاية—فإنها تفتح الباب أمام ضياع جيل كامل، ثم تعود لاحقاً لتدفع كلفة المعالجة والأمن والتأهيل مضاعفة.

المطلوب اليوم واضح: مراقبة صارمة للأسواق والحوانت، تجريم فعلي لبيع المواد الضارة للقاصرين، برامج توعوية دائمة داخل المدارس، ومساءلة إدارية لكل مسؤول قصّر أو تغاضى. دون ذلك، سنظل نكتب عن النتائج بدل معالجة الأسباب، ونحصي الضحايا بدل حماية الأبرياء.

آيت إيحيا لا تطلب المستحيل. تطلب فقط دولة تحضر حين يجب أن تحضر، وتتحمل مسؤوليتها كاملة، بلا أعذار ولا تأجيل. لأن الضمير قبل المنصب، والطفولة قبل الحسابات، ومن لا يحمي أطفال اليوم، لا يستحق الحديث عن مستقبل الغد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.