“درعة تافيلالت… جهة البؤس حين يغيب الفعل السياسي”

0 204

أولى-نيوز.

تُوصَف جهة درعة تافيلالت في الخطابات الرسمية بكونها “جهة الإمكانات الواعدة”، غير أن الواقع اليومي لساكنتها يكشف، بلا رتوش، مفارقةً صارخة بين القول والفعل، وبين الوعود المتكررة والحصيلة الهزيلة. فهذه الجهة، التي تختزن تاريخًا إنسانيًا عريقًا وموارد طبيعية وبشرية معتبرة، ما تزال ترزح تحت وطأة التهميش، لتتحول في نظر مواطنيها إلى جهة البؤس السياسي بامتياز.

على امتداد ولاياتها وأقاليمها، تتكرر المشاهد ذاتها: طرق مهترئة، مستشفيات تفتقر إلى الحد الأدنى من التجهيز والموارد البشرية، مؤسسات تعليمية معزولة، ومشاريع تنموية تُعلن في المنصات ثم تختفي في دهاليز المجالس واللجان. وفي مقابل ذلك، يحضر السياسي الجهوي بقوة في موسم الانتخابات، بخطاب عاطفي، ووعود فضفاضة، وصور تذكارية، قبل أن يختفي أثره مع أول اختبار حقيقي للمسؤولية.

المفارقة المؤلمة أن سياسيي الجهة، وهم الأدرى بخصوصياتها المناخية والجغرافية والاجتماعية، لم ينجحوا في تحويل هذه الخصوصيات إلى أوراق قوة تفاوضية داخل مراكز القرار. فبدل الترافع الجاد عن فك العزلة، وتأهيل البنيات التحتية، وضمان العدالة المجالية، انشغل كثيرون بحسابات ضيقة، وصراعات هامشية، وتبادل الاتهامات، تاركين المواطن وحيدًا في مواجهة الفقر، والبرد، والعطش، والهشاشة.

الأخطر من ذلك أن الأزمات المتكررة—من الفيضانات إلى موجات البرد القارس، ومن حوادث الطرق إلى ضعف خدمات الإنقاذ—تُعرّي هشاشة التخطيط وغياب الاستباق. فكل كارثة تتحول إلى مناسبة للتعاطف المؤقت، لا إلى لحظة للمحاسبة وإعادة ترتيب الأولويات. وكأن الجهة محكوم عليها بتدبير الأزمات بدل بناء الحلول.

إن النقد هنا ليس استهدافًا للأشخاص بقدر ما هو مساءلةٌ لمنظومة تدبير سياسي فشلت في الارتقاء إلى مستوى انتظارات الساكنة. فالمواطن في درعة تافيلالت لا يطالب بالمستحيل، بل بحقوق دستورية واضحة: طريق آمنة، مستشفى لائق، مدرسة قريبة، وفرص شغل تحفظ الكرامة. وهي مطالب لا تُواجه بالخطب، بل بالبرامج الجادة والإنجاز القابل للقياس.

لقد آن الأوان لسياسيي الجهة أن يدركوا أن الشرعية لا تُستمد من صناديق الاقتراع فقط، بل من الأثر الحقيقي في حياة الناس. وأن درعة تافيلالت لن تخرج من دائرة البؤس إلا بسياسة شجاعة، تُقدّم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعيد الاعتبار لساكنة صبرت طويلًا على الخذلان.

فإما سياسة تنموية تُنقذ الجهة من التهميش،
وإما استمرار في تدوير البؤس… بصيغة انتخابية جديدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.