في رثاء الحسن اللحية، المفكر التربوي الذي رحل بدون موعد .
بقلم الأستاذ: حسن تزوضى
لا يكون الرثاء حين يتعلق الأمر برجال الفكر والتربية، مجرد استعادة عاطفية لذكرى الراحلين، بل يتحول إلى فعلٍ معرفي وأخلاقي، يُستدعى فيه المسار، ويُقاس فيه الأثر، ويُساءل من خلاله واقعٌ لم يُحسن دائمًا الاعتراف بقيمته الحقيقية، ورحيل حسن اللحية يندرج في هذا الأفق؛ إذ لا يتعلق بفقدان شخصٍ فحسب، بل بخسارة نموذجٍ تربوي وفكري جمع بين الممارسة التعليمية اليومية والاشتغال الفلسفي العميق بقضايا التربية والتعليم.
بدأ حسن اللحية مساره مدرّسًا، منخرطًا بوعي ومسؤولية في هموم المدرسة العمومية المغربية، مؤمنًا بأن الفصل الدراسي ليس مجرد فضاء لنقل المعارف، بل مجالٌ لبناء الإنسان، وتشكيل الوعي، وترسيخ القيم. ومن داخل هذا المعترك اليومي، تشكل لديه وعيٌ نقدي بطبيعة الأزمة التعليمية، فانتقل من الممارسة إلى التفكير، ومن التدريس إلى البحث في الفلسفة وقضايا التربية، دون أن يقطع الصلة بين المجالين. لقد كان مثالًا حيًا على ما يمكن تسميته بـ«المربي-الباحث»، الذي يرى في الفلسفة أداةً لفهم اختلالات التربية، لا ترفًا نظريًا منفصلًا عن الواقع.
انشغلت إسهاماته الفكرية بقضايا التعليم من زاوية فلسفية نقدية، ساعيًا إلى تفكيك الأسس المعرفية والبيداغوجية التي تقوم عليها السياسات التعليمية، ومقاومًا نزعات التبسيط والاختزال التي تختزل المدرسة في بعدها الإداري أو التقني. وقد تميزت كتاباته ومداخلاته بالجمع بين الصرامة المفهومية والانشغال العملي بالميدان، حيث ظل وفيًا لقضايا رجل التعليم، مدافعًا عن المدرسة الوطنية بوصفها رهانًا مجتمعيًا لا مجرد قطاعٍ وظيفي.
غير أن ما منح تجربة حسن اللحية عمقها الإنساني والرمزي لم يكن فقط إنتاجه الفكري، بل أيضًا حضوره الواعي في اللحظات المفصلية التي عرفها قطاع التعليم. وخلال الحراك التعليمي لسنة 2023/2024، أتيح لي أن ألتقيه شخصيًا، في سياق اتسم بتوتر الأسئلة وقلق المآلات، جلسنا معًا نناقش قضايا الحراك، خلفياته، وحدوده، وآفاقه الممكنة. وكان لافتًا في ذلك اللقاء أسلوبه في التفكير: هدوءٌ فلسفي، ونفَسٌ نقدي، وحرصٌ واضح على ربط الفعل النضالي بالتحليل العميق. لم يكن من دعاة الانفعال أو التهوّر، ولا من أنصار الاستسلام، بل كان يرى في الحراك لحظةً كاشفة تستوجب الفهم قبل الموقف، والتأمل قبل الحكم.
ذلك اللقاء، وإن بدا عابرًا في الزمن، كشف جوهر الرجل: مربٍ يفكر، وباحثٍ ينصت، ومناضلٍ بلا ضجيج، وهو ما جعل حضوره مختلفًا في سياقٍ كثيرًا ما يطغى عليه الصراخ على التفكير، والشعار على المعنى. لقد كان حسن اللحية من أولئك الذين يربكون الرداءة بهدوئهم، ويزعجون السائد بعمقهم، لأنهم يشتغلون على الزمن الطويل، لا على اللحظة العابرة.
ومع ذلك، فإن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا العطاء التراكمي، الهادئ، لم يحظَ بما يستحقه من اعترافٍ رمزي أو مؤسساتي، لا في حياة الرجل ولا بعد رحيله. في مجتمعٍ تُرفع فيه القبعات للضجيج، وتُفرش السجادات الحمراء للتفاهة، يُترك رجال التعليم والباحثون في قضايا التربية على الهامش، لأن أثرهم لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بتغير المصائر. وهنا يتجلى الخلل العميق في ميزان القيم: يُحتفى بالعابر، ويُنسى البنيوي؛ يُضخّم الصوت، ويُهمّش المعنى.
إن رثاء حسن اللحية هو في العمق، رثاء لقيمة الفكر التربوي الجاد، وللدور التاريخي لرجل التعليم حين يتجاوز حدود الوظيفة ليصير حامل مشروعٍ معرفي وإصلاحي. وهو أيضًا مساءلةٌ صريحة لمجتمعٍ لا يُجيد الاعتراف بالجميل، ولا يدرك أن الأمم لا تنهض بالاستعراض، بل بالمعرفة، ولا تُبنى بالضجيج، بل بالعقول الصابرة.
رحل حسن اللحية، لكن أثره باقٍ في أفكاره، وفي كل نقاشٍ تربوي جاد، وفي كل سؤالٍ فلسفي يُطرح دفاعًا عن المدرسة العمومية. وإذا كان الجسد قد غاب، فإن المشروع الذي آمن به يظل مفتوحًا، ومسؤولية استكماله تقع اليوم على عاتق كل من يرى في التعليم قضية مجتمع، لا مجرد ملف إداري.
رحم الله حسن اللحية، المدرّس الذي صار باحثًا، والباحث الذي ظل وفيًّا لرسالة التعليم، وجعل من الفلسفة أفقًا لفهم التربية، ومن التربية فعلًا أخلاقيًا ومعرفيًا في آنٍ واحد.