بين صوت الغلوسي وصمت المؤسسات .. هل لا يزال الفساد محصّناً بالقانون؟

0 275

أولى نيوز – خاص.

في زمن تتناسل فيه الشعارات وتذوب القيم في ركام المصالح، يعلو صوتٌ واحدٌ من بين الجموع، صوتٌ لا يهادن ولا يساوم. محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، أطلق صرخة مدوّية من عمق الوجع الوطني، مفادها أن «اللصوص أحرار، والتنمية معطلة، والناس سُرقت أموالهم وأحلامهم».

لكن خلف هذا الخطاب الناري، يقف سؤال أعمق وأخطر: لماذا لا يزال الفساد في المغرب يلبس ثوب القانون، ويجد له في المؤسسات من يحتضنه أو يصمت أمامه؟

رسالة الغلوسي الأخيرة لم تكن مجرد تدوينة، بل كانت بياناً سياسياً واجتماعياً صريحاً ضد منظومة متغوّلة من «اللامساءلة». وصف الرجل، بعبارات حادة، من يدبرون الشأن العام بأنهم يبحثون عن طرق «لشيطنة» كل من يطالب بالمحاسبة. وهو اتهام ليس جديداً، لكنه هذه المرة جاء محمولاً على غضب شعبي واسع يرى أن التنمية لم تعد سوى ديكور يُستعمل في الحملات الانتخابية لتجميل وجه الخراب.

فالمفارقة أن من يتحدثون باسم التنمية هم أنفسهم من يملكون القرى والمدن في دفاترهم الخاصة، يوزعون الوعود كما تُوزع الصدقات، ويُحصون الناس لا ليخدموهم بل ليضمنوا بقاءهم في كراسيهم الوثيرة.

في المقابل، يُلاحظ أن بعض المسؤولين المحليين يتعاملون مع الأصوات المنتقدة كما لو كانت عدواً للدولة، لا ضميراً لها. تُستعمل علاقات ونفوذ لإسكات النقد بدل محاورة الواقع، ويُوظّف القانون أحياناً لزرع الخوف في صدور من يطالبون بالشفافية. وهذه هي المفارقة الكبرى التي تجعل من شعار “محاربة الفساد” مجرد عنوانٍ للاستهلاك الإعلامي.

فحين يتحول «مدبر الشأن العام» إلى حارسٍ لبؤس الناس لا إلى خادمٍ لمصالحهم، وحين تُختزل التنمية في إنجازات ورقية، يصبح الفساد ثقافةً مؤسسية لا ظاهرة عرضية.

غير أن ما قاله الغلوسي، رغم قوته، يطرح أيضاً سؤال الحدود الفاصلة بين الخطاب الحقوقي والتحريض السياسي. فالقانون المغربي، خصوصاً في إطار قانون الصحافة والنشر (القانون 88.13)، يضمن حرية التعبير لكنه يضعها داخل أسوار المسؤولية. لذلك فالتعبير عن الرأي في قضايا المال العام مشروع ومطلوب، ما دام مبنياً على معطيات وأدلة، وليس على التخوين أو التعميم الذي قد يُفهم كتشهير.

من هنا، فإن الخطاب الحقوقي الصادق بحاجة إلى لغة تحفظ قوته دون أن تُفقده اتزانه، لأن مواجهة الفساد لا تكون بالشعارات وحدها، بل بملفات مدعومة بالوثائق والحقائق، تضع المفسدين أمام القضاء لا أمام الرأي العام فقط.

ما لا يدركه كثيرون أن الغلوسي لا يقاتل الأشخاص، بل يقاتل منظومة ثقافية كرّست الفساد حتى صار عادياً، والنهب صار اجتهاداً، والسكوت صار حكمة. لهذا فإن معركته – مهما اختلفنا حول لغتها – هي معركة وعيٍ جماعي قبل أن تكون معركة قانونية.

فحين يصرخ “اللصوص أحرار”، لا يوجّه الاتهام فحسب، بل يكشف هشاشة العدالة في وجه المال والنفوذ. وحين يقول إن التنمية معطلة، فهو لا يهاجم الأشخاص بل يضع أصبعه على جرح عميق اسمه غياب الإرادة السياسية.

بين لغة الغلوسي الغاضبة وصمت المؤسسات، تتأرجح الحقيقة المرة: الفساد في المغرب لم يعد مجرد انحراف إداري، بل أصبح منظومة تحتمي ببعض القوانين وتُدار من داخلها. لذلك فإن مواجهة هذه المنظومة لا تتطلب فقط شجاعة الغلوسي وأمثاله، بل تحتاج إرادة دولة تضع الشفافية والمحاسبة فوق كل اعتبار.

فالمال العام ليس إرثاً خاصاً، والتنمية ليست شعاراً موسمياً، والسكوت عن النهب ليس حياداً، بل خيانة جماعية للأمانة.
إعداد -محمد النوري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.