“الجواهري… حين تتحول لغة الأرقام إلى مرآة لاختلالات السياسات العمومية.”

0 34

والي بنك المغرب -أولى نيوز.

في كل مرة يقف فيها والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري لتقديم تقريره السنوي، يتجدد النقاش ذاته: هل يتحدث محافظ بنك مركزي بلسان الخبير النقدي، أم يتجاوز اختصاصه عندما يلامس أعطاب الاقتصاد والإدارة والاستثمار والثقة في المؤسسات؟ غير أن هذا الجدل، في جوهره، يكشف التباسًا في فهم طبيعة الدور الذي تضطلع به البنوك المركزية في الدول الحديثة، حيث لم تعد مهمتها تنحصر في ضبط أسعار الفائدة أو حماية قيمة العملة، بل أصبحت مؤسسات تنتج المعرفة الاقتصادية، وتدق ناقوس الإنذار كلما أظهرت المؤشرات اختلالات بنيوية تهدد الاستقرار المالي والاقتصادي.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن استقلالية البنوك المركزية لم تكن ترفًا مؤسساتيًا، بل ضرورة فرضتها التحولات الاقتصادية العالمية. فالسياسة النقدية، بحكم حساسيتها، تحتاج إلى قدر من الاستقلال عن الإيقاع السياسي اليومي، حتى لا تتحول العملة الوطنية وأسعار الفائدة إلى أدوات تخضع لحسابات انتخابية أو ظرفية. لذلك، أصبحت استقلالية البنك المركزي أحد أبرز مؤشرات نضج المؤسسات وقوة الدولة، لأنها تضمن أن تُبنى القرارات النقدية على أسس علمية ومعطيات دقيقة، لا على اعتبارات سياسية عابرة.

في المغرب، يتمتع بنك المغرب باستقلالية قانونية في تدبير السياسة النقدية، وهي استقلالية لا تعني الانفصال عن مؤسسات الدولة، وإنما توزيعًا متوازنًا للاختصاصات بين الحكومة، التي ترسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وبين البنك المركزي الذي يسهر على استقرار الأسعار، وحماية القدرة الشرائية للعملة، وضمان سلامة النظام المالي. غير أن هذه الحدود تصبح، في كثير من الأحيان، موضوعًا للنقاش عندما يختار والي البنك توسيع دائرة التحليل لتشمل الاستثمار، والحكامة، والتعليم، وسوق الشغل، وجودة الإدارة، ومناخ الأعمال.

والواقع أن قراءة المؤشرات الاقتصادية لا يمكن أن تتم بمعزل عن البيئة التي تنتجها. فالتضخم ليس رقمًا معزولًا، والاستثمار لا يتراجع من تلقاء نفسه، كما أن الثقة، التي تشكل أحد أهم محركات الاقتصاد، لا تُبنى بالشعارات، بل بمؤسسات قوية، وإدارة ناجعة، وقضاء يضمن الأمن القانوني، وسياسات عمومية قادرة على خلق اليقين لدى الفاعلين الاقتصاديين. ولذلك، فإن تشخيص أسباب هذه الظواهر لا يعد خروجًا عن الاختصاص بقدر ما يمثل امتدادًا طبيعيًا لتحليل اقتصادي متكامل.

ولعل ما يميز الجواهري، منذ سنوات، أنه لا يكتفي بعرض الجداول والإحصائيات، بل يحاول تفسير ما تخفيه الأرقام من اختلالات هيكلية. وهو ما يجعل تصريحاته تحظى باهتمام يتجاوز الأوساط المالية إلى الرأي العام، لأنها غالبًا ما تلامس قضايا ترتبط بجودة الحكامة، وفعالية الإصلاحات، ومستوى الثقة في المؤسسات. وبين مؤيد يعتبر هذه الصراحة ضرورة وطنية، ومنتقد يرى فيها تجاوزًا لحدود الاختصاص، يظل السؤال قائمًا حول الدور الحقيقي الذي ينبغي أن تضطلع به مؤسسة بحجم بنك المغرب.

غير أن المفارقة تكمن في أن كثيرًا من الأصوات التي تدافع عن استقلالية البنك المركزي، سرعان ما تضيق بهذه الاستقلالية عندما تنتج مواقف أو تحليلات لا تنسجم مع قراءاتها السياسية أو الاقتصادية. فإذا شدد البنك السياسة النقدية لمواجهة التضخم، اعتُبر أنه يضغط على الاستثمار ويزيد كلفة التمويل. وإذا حذر من هشاشة بعض المؤشرات، اتُّهم بالتشاؤم. وإذا اكتفى بعرض الأرقام، وُصف بأنه بعيد عن هموم المواطنين. أما إذا فسر تلك الأرقام وربطها بأسبابها البنيوية، قيل إنه دخل إلى مجال السياسة.

إن قوة المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على إنتاج التقارير فحسب، بل بمدى استعداد الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين للتفاعل مع مضامينها بجدية ومسؤولية. فالتقارير الاقتصادية ليست بيانات بروتوكولية، وإنما أدوات للتشخيص والاستشراف، هدفها تنبيه صانع القرار إلى مكامن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.

في نهاية المطاف، لا يحتاج المغرب إلى بنك مركزي يردد ما ترغب الحكومات أو الفاعلون السياسيون في سماعه، بقدر ما يحتاج إلى مؤسسة مستقلة تقول الحقيقة الاقتصادية كما تعكسها المؤشرات، حتى وإن كانت هذه الحقيقة قاسية. فالدول التي تحترم مؤسساتها لا تخشى النقد الصادر عن الخبرة، بل تعتبره جزءًا من منظومة الحكامة الرشيدة، لأن الاقتصاد، في النهاية، لا يجامل أحدًا، والأرقام لا تعرف لغة المجاملة، بل تعكس واقعًا لا يمكن تغييره إلا بإصلاحات عميقة تستند إلى التشخيص الدقيق قبل اتخاذ القرار.

إعداد ..محمد النوري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.