“درعة تافيلالت.. ثروات هائلة وجماعات محدودة الموارد.. أين يكمن الخلل؟”
أولى نيوز – مقال رأي وتحليل
عندما نستقرئ مستوى التطور الذي عرفته البنية التحتية في عدد من المدن المغربية الكبرى، وفي مقدمتها الرباط والدار البيضاء وأكادير ومراكش وطنجة، يصعب ألا يبرز سؤال جوهري حول الطريقة التي جرى بها تمويل هذا التحول العمراني والاستثماري الكبير. فهذه المدن لم تعتمد، في كثير من الحالات، على موارد ميزانياتها الذاتية وحدها، وإنما استفادت من منظومة واسعة من التمويلات والشراكات والتحويلات والاستثمارات والاقتراض، إلى جانب تعبئة موارد الدولة والجهات والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص.
وتقدم تجربة أكادير مثالاً لافتاً في هذا المجال، بعدما تمكنت الجماعة من تعبئة مليار درهم عن طريق إصدار سندات قرض، في إطار تمويل التزامات مرتبطة ببرنامج التنمية الحضرية للمدينة. وهي تجربة تفتح نقاشاً واسعاً حول مدى قدرة الجماعات الترابية على البحث عن مصادر تمويل بديلة، وعدم الاكتفاء بالانتظار السنوي لما تجود به الموارد الذاتية والتحويلات.
لكن حين ننتقل إلى جهة درعة تافيلالت، فإن السؤال يصبح أكثر تعقيداً وإثارة للجدل: هل تعاني جماعات الجهة فعلاً من انعدام الموارد، أم أن الإشكال يكمن في محدودية القدرة على تثمين الموارد الموجودة وتعبئتها وتحويلها إلى قوة مالية واستثمارية؟
فالحديث عن درعة تافيلالت لا يتعلق بمجال فقير من حيث المؤهلات. نحن أمام جهة شاسعة تضم خمسة أقاليم، هي تنغير وورزازات وزاكورة والرشيدية وميدلت، وتتوفر على ثروات طبيعية ومعدنية وسياحية وفلاحية وثقافية قلما تجتمع بهذا التنوع داخل مجال ترابي واحد.
في تنغير، على سبيل المثال، توجد واحدة من أبرز الثروات المعدنية المعروفة في الجنوب الشرقي، ممثلة في منجم إميضر للفضة، إلى جانب إمكانات سياحية وطبيعية هائلة تتمثل في مضايق تودغى، وواحات دادس وتودغى، والقصبات والجبال والمسارات السياحية والتراث المعماري. وهي مؤهلات تجعل الإقليم قادراً، من حيث المبدأ، على بناء اقتصاد محلي متنوع يجمع بين التعدين والسياحة والفلاحة الواحية والصناعة التقليدية والخدمات.
غير أن وجود منجم للفضة لا يعني أن مداخيل بيع الفضة تدخل مباشرة إلى ميزانية الجماعة، كما أن وجود موقع سياحي لا يعني أن كل الأموال التي ينفقها السياح تتحول إلى موارد جماعية. وهذه نقطة أساسية في أي نقاش مسؤول حول المالية المحلية. فالثروة الاقتصادية الموجودة داخل المجال شيء، والموارد التي يسمح القانون للجماعة باستخلاصها شيء آخر.
لكن السؤال الذي يستحق الطرح هو: إلى أي حد تنجح الجماعات في الاستفادة من القيمة الاقتصادية التي تنتجها هذه الثروات؟
فالنشاط المنجمي، مثلاً، لا يقتصر أثره على استخراج المعدن، وإنما يخلق حركة للنقل والخدمات والتجارة والسكن والمطاعم واليد العاملة والاستثمارات المرتبطة به. والسياحة بدورها لا تقتصر على الفندق، وإنما تمتد إلى النقل والمطاعم والإرشاد السياحي والصناعة التقليدية والمنتجات المحلية والأنشطة الثقافية والترفيهية. وكل هذه الدورة الاقتصادية يمكن أن تشكل، بشكل مباشر أو غير مباشر، قاعدة لتوسيع الموارد المحلية وتحفيز الاستثمار.
وفي ورزازات، تبدو الصورة أكثر تنوعاً. فالمدينة والإقليم يمتلكان رصيداً سياحياً وثقافياً استثنائياً، من قصبة تاوريرت إلى واحة سكورة وقصبة أمريديل، وصولاً إلى آيت بن حدو، ذلك الموقع التاريخي المصنف ضمن التراث العالمي لليونسكو، والذي أصبح أحد أشهر الرموز السياحية والثقافية للمغرب.
لكن ورزازات لا تعيش على السياحة وحدها؛ فقد تحولت أيضاً إلى فضاء معروف عالمياً في مجال التصوير والإنتاج السينمائي، بما يرافق ذلك من خدمات وإيواء ونقل ومهن مرتبطة بالإنتاج الفني. وإلى جانب ذلك، توجد مشاريع كبرى في مجال الطاقة الشمسية، وفي مقدمتها مركب نور، بما يجعل الإقليم نموذجاً لتعدد مصادر النشاط الاقتصادي.
وهنا يعود السؤال نفسه: هل استطاعت الجماعات المحلية تحويل هذا الرصيد الاقتصادي والثقافي والسياحي إلى موارد محلية بالقدر الذي يسمح لها بتمويل بنياتها التحتية وتوسيع استثماراتها؟
أما زاكورة، فتملك بدورها رأسمالاً طبيعياً وثقافياً لا يقل أهمية؛ فالواحات الممتدة على طول وادي درعة، والقصور والقصبات، والتمور، والحناء، والسياحة الصحراوية، ومحاميد الغزلان، والكثبان والمسارات السياحية، كلها تشكل منظومة اقتصادية متكاملة يمكن أن تكون أكثر إنتاجاً للقيمة إذا جرى تثمينها في إطار رؤية ترابية واضحة.
والأمر نفسه ينطبق على الرشيدية وتافيلالت، حيث تتداخل الواحات وإنتاج التمور والسياحة الصحراوية والثقافة والتراث والمنتجات المجالية والموارد المعدنية، في حين تمتلك ميدلت إمكانات فلاحية مهمة، خصوصاً في مجال التفاح، إلى جانب السياحة الجبلية والموارد الطبيعية والمعدنية.
إذن، نحن أمام جهة لا تعاني من غياب المؤهلات، وإنما أمام سؤال أكبر يتعلق بكيفية تحويل هذه المؤهلات إلى قوة اقتصادية ومالية مستدامة.
وهنا تحديداً ينبغي أن يتغير النقاش حول الجماعات الترابية.
فالجماعة التي تعتمد فقط على التحويلات والموارد التقليدية ستظل محدودة الحركة، مهما كان حجم حاجيات سكانها. أما الجماعة التي تمتلك رؤية لتثمين ممتلكاتها، وتحسين استخلاص الرسوم والجبايات، وتطوير أسواقها ومرافقها، واستغلال إمكاناتها العقارية، وتشجيع الاستثمار، وإعداد مشاريع قابلة للتمويل، وبناء شراكات مع المؤسسات العمومية والقطاع الخاص، فإنها تستطيع توسيع هامشها المالي والاستثماري.
ومن هنا، فإن فتح إمكانية اللجوء إلى الاقتراض لا ينبغي أن يفهم باعتباره مجرد باب للحصول على المال، وإنما باعتباره أداة مالية تحتاج إلى شروط وضمانات ودراسة دقيقة للمخاطر والقدرة على السداد. فالاقتراض يمكن أن يكون وسيلة لتسريع الاستثمار عندما يوجه إلى مشاريع منتجة أو ذات أثر اقتصادي واضح، لكنه يمكن أن يتحول إلى عبء إذا استُعمل لتمويل نفقات لا تنتج قيمة مستقبلاً.
وهذا تحديداً ما يجعل تجربة أكادير جديرة بالدراسة، لا بالتقليد الأعمى.
فالمهم ليس فقط أن جماعة ما اقترضت مليار درهم، وإنما أن نعرف كيف تمكنت من الوصول إلى هذا التمويل، وما هي وضعيتها المالية، وما هي المشاريع التي مولتها، وما هي قدرتها على تحمل خدمة الدين، وما القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي ستنتج عن تلك الاستثمارات.
وبالمقابل، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح على جماعات درعة تافيلالت ليس فقط: لماذا لا نتوفر على ميزانيات بحجم ميزانيات المدن الكبرى؟
بل السؤال الأكثر عمقاً هو: ماذا فعلنا بالإمكانات التي نملكها أصلاً؟
كم من عقار جماعي يمكن تثمينه؟ كم من سوق أسبوعي يمكن تطويره ليصبح مورداً أكثر انتظاماً؟ كم من مرفق جماعي يمكن تحسين تدبيره؟ كم من رسم محلي لا يتم استخلاصه بالكفاءة المطلوبة؟ كم من مشروع سياحي أو فلاحي أو ثقافي قابل للاستثمار ظل حبيس الرفوف؟ وكم من مؤهل طبيعي أو تاريخي لم يتحول إلى منتج سياحي قادر على خلق الثروة وفرص الشغل؟
بل إن السؤال يمكن أن يصل إلى مستوى أكثر جرأة: هل تعرف جماعاتنا أصلاً حجم ممتلكاتها وقيمتها الاقتصادية الحقيقية؟
لأن أول خطوة في بناء الهندسة المالية المحلية ليست الاقتراض، وإنما معرفة ما تملك الجماعة، وما الذي يمكن تثمينه، وما الذي يمكن أن ينتج مورداً مستداماً.
وفي جهة مثل درعة تافيلالت، حيث توجد المناجم والواحات والقصبات والمجالات السياحية والصحراوية والجبلية والمنتجات الفلاحية والصناعة التقليدية، فإن الحاجة تبدو أكبر إلى تكوين المنتخبين والأطر في مجالات الهندسة المالية، وإعداد المشاريع، وتثمين الممتلكات، والشراكات، والاستثمار، والتمويل، بدل الاكتفاء بإدارة الميزانية بمنطق التسيير اليومي.
فالتنمية لا تصنعها الميزانية وحدها، وإنما يصنعها أيضاً العقل الذي يدير الميزانية.
وقد تكون المشكلة في بعض الحالات ليست أن الجماعة فقيرة، وإنما أنها لا تمتلك بعد الأدوات الكافية لتحويل ما لديها إلى موارد قابلة للاستثمار.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية كذلك. فإذا كانت الأحزاب تقدم مرشحين لتدبير الجماعات، فإن تكوين هؤلاء المنتخبين في القضايا المالية والقانونية والاقتصادية ينبغي ألا يكون ترفاً حزبياً، بل جزءاً من المسؤولية السياسية. فالمنتخب الذي لا يعرف كيف يقرأ ميزانية جماعته، ولا كيف يثمن ممتلكاتها، ولا كيف يعد مشروعاً قابلاً للتمويل، سيجد نفسه عاجزاً عن استثمار حتى الفرص التي يتيحها الإطار القانوني.
إن جهة درعة تافيلالت لا تحتاج فقط إلى مزيد من التحويلات المالية، رغم أهمية ذلك، ولا تحتاج فقط إلى مشاريع ممولة من الدولة، رغم ضرورتها، وإنما تحتاج أيضاً إلى تحرير الإمكانات الاقتصادية الموجودة داخل ترابها.
فالثروة المنجمية يجب أن تفتح نقاشاً حول أثر النشاط الاقتصادي على المجال المحلي، والسياحة يجب أن تتحول إلى سلسلة قيمة يستفيد منها السكان والجماعات، والقصبات والواحات يجب ألا تبقى مجرد صور جميلة في المنشورات السياحية، والأسواق والممتلكات الجماعية يجب أن تتحول إلى أصول اقتصادية تدار بعقلية استثمارية.
وفي نهاية المطاف، فإن المقارنة بين أكادير وجماعات درعة تافيلالت لا ينبغي أن تكون مقارنة بين مدن غنية وأخرى فقيرة، وإنما بين طرق مختلفة في تدبير الموارد وتعبئة التمويل.
فأكادير قدمت مثالاً على إمكانية استعمال أداة مالية حديثة لتعبئة مليار درهم. وفي درعة تافيلالت توجد، في المقابل، ثروة معدنية وسياحية وفلاحية وثقافية وطبيعية ضخمة.
وبين النموذجين يبقى السؤال مفتوحاً:
إذا كانت لدينا كل هذه الثروات والمؤهلات، فلماذا لا تنعكس بالقدر الكافي على قدرة جماعاتنا على الاستثمار؟
ربما لا يكون الجواب في غياب الثروة، وإنما في ضعف تحويلها إلى قيمة.
وربما تكون المعركة الحقيقية التي تنتظر جماعات درعة تافيلالت خلال المرحلة المقبلة ليست معركة البحث عن المال فقط، وإنما معركة معرفة كيف تصنع المال من الموارد الموجودة، وكيف تحول الثروة إلى استثمار، والاستثمار إلى بنية تحتية، والبنية التحتية إلى تنمية يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية.
إعداد.. محمد النوري.