“قوة اقتراح | من الغازوال إلى الطاقة الشمسية.. هل يبدأ تنغير تجربة النقل المدرسي الكهربائي؟”

0 24

تنغير-أولى نيوز.
محمد النوري.

لا أعرف، في غياب معطيات رسمية محينة، العدد الحقيقي والدقيق لحافلات النقل المدرسي العاملة بمختلف جماعات إقليم تنغير، ولذلك سأتعامل مع الرقم الآتي باعتباره مجرد فرضية قابلة للتدقيق والمراجعة، لا باعتباره رقماً رسمياً.

إذا افترضنا، على سبيل المثال، وجود ست حافلات للنقل المدرسي في كل جماعة، فإننا نكون أمام ما يقارب 140 حافلة على مستوى الإقليم. وإذا افترضنا أن متوسط ما تستهلكه الحافلة الواحدة من الغازوال يصل إلى 200 درهم يومياً، فإن الكلفة الإجمالية تبلغ نحو 28 ألف درهم في اليوم، أي أكثر من عشرة ملايين درهم إذا احتسبنا سنة كاملة. وباحتساب أيام التشغيل الفعلية فقط، سيكون الرقم أقل من ذلك بطبيعة الحال، لكنه يظل كافياً لطرح سؤال اقتصادي وبيئي لا ينبغي تأجيله.

فهل من المنطقي أن يستمر النقل المدرسي في منطقة تتمتع بعدد كبير من ساعات السطوع الشمسي في الاعتماد حصراً على الوقود الأحفوري، دون دراسة جدية لإمكانية الانتقال التدريجي إلى الكهرباء والطاقة الشمسية؟

المسألة هنا لا تتعلق فقط بالبيئة، ولا ينبغي اختزالها في شعار “حافلات كهربائية”. إنها قبل كل شيء مسألة اقتصاد في تدبير المال العام، وأمن طاقي محلي، وجودة خدمة، وتخطيط للمستقبل.

والحل، في تقديري، لا يبدأ بشراء عشرات أو مئات الحافلات الكهربائية دفعة واحدة، وإنما بتجربة محدودة ومدروسة.

يمكن، مثلاً، اختيار جماعتين أو ثلاث جماعات ذات مسارات مدرسية مناسبة، وإدخال عدد محدود من الحافلات الكهربائية في إطار مشروع تجريبي يمتد لسنة كاملة. خلال هذه الفترة تتم مقارنة كل شيء: استهلاك الكهرباء، كلفة الشحن، الصيانة، الأعطاب، مدة عمل البطارية، المسافة المقطوعة، عدد التلاميذ المستفيدين، وكلفة الكيلومتر الواحد مقارنة بالحافلة التي تعمل بالغازوال.

والأهم من ذلك أن التجربة لا ينبغي أن تعتمد بالكامل على شبكة الكهرباء التقليدية. فمن الممكن دراسة إنشاء محطات شحن تعمل جزئياً أو كلياً بالطاقة الشمسية، خصوصاً إذا كانت الحافلات تعود إلى نقطة محددة في نهاية كل يوم. وهنا يمكن استغلال أسطح المدارس أو المؤسسات العمومية أو مرافق الجماعات، بعد إجراء الدراسات التقنية اللازمة، لتركيب الألواح الشمسية وربطها بمنظومة الشحن.

وهناك حل آخر أكثر مرونة يتمثل في اعتماد الشحن الليلي البطيء بدل الشحن السريع المكلف، إذا كانت طبيعة المسارات تسمح بذلك. فالحافلة التي تعود مساءً إلى مرآبها يمكن أن تشحن بطاريتها خلال ساعات الليل وتكون جاهزة في الصباح لنقل التلاميذ، وهو نموذج يحتاج فقط إلى دراسة المسافة اليومية وطاقة البطارية المطلوبة.

كما يمكن التفكير في نموذج ثالث، أكثر واقعية بالنسبة للمناطق الجبلية والمسارات الطويلة، يقوم على الانتقال التدريجي وليس الاستبدال الفوري. أي أن الحافلات التي ما تزال صالحة للاستعمال تستمر مؤقتاً، بينما يتم استبدال الحافلات القديمة أو الأكثر استهلاكاً للوقود بحافلات كهربائية عند تجديد الأسطول.

ويمكن كذلك اعتماد نظام تأجير أو تمويل طويل الأمد بدل شراء الحافلات بشكل مباشر، حتى لا تتحمل الجماعات أو الجهات كلفة الاستثمار الأولية دفعة واحدة. وفي هذه الحالة يصبح من الممكن مقارنة الكلفة الإجمالية للحافلة الكهربائية خلال عمرها التشغيلي مع الكلفة الإجمالية للحافلة التقليدية، بما فيها الوقود والصيانة وقطع الغيار.

وهناك تجربة أخرى تستحق الدراسة، وهي إنشاء مرآب شمسي للنقل المدرسي، يضم الألواح الشمسية ومحطات الشحن ومكاناً للصيانة والمراقبة الرقمية. وإذا أثبتت التجربة نجاحها، يمكن توسيعها تدريجياً إلى جماعات أخرى.

لكن الانتقال الطاقي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تغيير لون الحافلة من الأحمر أو الأبيض إلى الأخضر. المطلوب هو بناء منظومة كاملة تبدأ من تحديد المسارات والمسافات، مروراً بحساب الطاقة المطلوبة، وانتهاءً بتدبير البطاريات والصيانة وإعادة تدويرها مستقبلاً.

كما أن من الممكن إدخال نظام رقمي لتتبع الحافلات والاستهلاك، بحيث تعرف الجهة أو الجماعة، بشكل يومي، عدد الكيلومترات التي قطعتها كل حافلة، وعدد الرحلات، والطاقة المستهلكة، وكلفة الرحلة الواحدة. عندها لن يبقى النقاش مبنياً على الانطباعات، بل على أرقام يمكن مراقبتها ومقارنتها.

والأهم أن التجربة يمكن أن تتحول إلى مختبر إقليمي للانتقال الطاقي في النقل المدرسي، تشارك فيه الجماعات الترابية والجهة والمؤسسات المكلفة بالنقل المدرسي والقطاع الخاص ومؤسسات التمويل والبحث العلمي، مع إمكانية البحث عن تمويلات وطنية أو دولية موجهة إلى مشاريع الطاقة النظيفة والنقل المستدام.

أما بالنسبة للغازوال، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط كم ننفق عليه اليوم، وإنما كم سننفق عليه بعد خمس أو عشر سنوات إذا استمر الأسطول بالطريقة نفسها، خصوصاً مع تقلب أسعار الطاقة وارتفاع كلفة الصيانة مع تقادم الحافلات.

لذلك، فإن المقارنة الصحيحة ليست بين ثمن حافلة كهربائية وثمن حافلة تعمل بالغازوال فقط، وإنما بين الكلفة الإجمالية لدورة حياة كل حافلة: الشراء، الوقود أو الكهرباء، الصيانة، قطع الغيار، الأعطاب، عمر البطارية، القيمة المتبقية للحافلة، ثم الأثر البيئي.

وقد تكون النتيجة مختلفة من مسار إلى آخر. فالحافلة الكهربائية ليست بالضرورة الحل المثالي لكل طريق، خصوصاً في المسارات الجبلية الطويلة أو المناطق التي تفتقر إلى بنية الشحن. ولهذا تحديداً نحتاج إلى التجربة والقياس، لا إلى الشعارات.

تنغير لا يحتاج بالضرورة إلى مشروع ضخم يبدأ بمئات الحافلات. قد يكون أكثر عقلانية أن يبدأ بـ خمس أو عشر حافلات كهربائية، ومحطة أو محطتين للشحن بالطاقة الشمسية، وتجربة لمدة سنة، ثم نشر نتائجها للرأي العام.

إذا أثبتت الأرقام أن الكلفة أقل والخدمة مستقرة، يمكن توسيع التجربة. وإذا أثبتت أن بعض المسارات غير مناسبة، يتم تعديل النموذج.

هكذا تتحول الفكرة من مجرد مطالبة بتغيير الحافلات إلى سياسة عمومية تجريبية قابلة للقياس والتصحيح والتوسع.

وفي النهاية، ليست القضية أن نستبدل الغازوال بالكهرباء لمجرد أن الكهرباء تبدو أكثر حداثة، وإنما أن نسأل سؤالاً أبسط وأكثر أهمية: كيف يمكن أن نقدم نقلاً مدرسياً أفضل، بكلفة أقل على المدى الطويل، وبأقل أثر ممكن على البيئة، مستفيدين من مورد شمسي موجود فوق رؤوسنا كل يوم؟

قد لا يكون الجواب جاهزاً بالكامل اليوم، لكن الوصول إليه لا يحتاج سوى شيء واحد في البداية: أن نبدأ بتجربة حقيقية، وأن نترك الأرقام هي التي تحكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.