دمنات: بؤرة إشعاع ثقافي وفكري في قلب المغرب

0 959

متابعة /شرف بوكايو

تعد مدينة دمنات، تلك البقعة الصغيرة في جبال الأطلس، واحدة من أبرز المحطات الثقافية والفكرية في المغرب. في هذا السياق، احتضنت قصبة أيت أومغار في دمنات حدثًا ثقافيًا مهمًا، تجسد في حفل أكاديمي وفكري شارك فيه نخبة من المفكرين والمثقفين. هذا الحفل لم يكن مجرد مناسبة ثقافية، بل كان بمثابة انطلاقة لسلسلة من الأنشطة التي تسعى إلى تحويل دمنات إلى قبلة ثقافية وفكرية في المغرب.

النجاح مبني على الثقة والتعاون المثمر

ما يميز الحضور في هذا الحدث هو النوعية المتميزة للمشاركين، إذ كانت مداخلات الدمناتيين قوية، تعكس مستوى عالياً من الفكر والإبداع. هذا ليس جديدًا على أهل المدينة الذين لطالما اشتهروا بحسهم الثقافي وعطاءاتهم الفكرية. وفي هذا السياق، كان من المهم التأكيد على أن سر نجاح أي تعاون أو تنسيق يكمن في الثقة المبنية على حسن النية والاحترام المتبادل والتواصل المهذب، وهي قيم أساسية لفتح الأبواب أمام المزيد من النجاحات.

دمنات: حاضنة للتراث الثقافي والموروث الحضاري

دمنات، بما تتمتع به من تراث ثقافي غني، لا تزال تحافظ على إرثها الحضاري العريق. هذه المدينة العريقة نظمت العديد من الملتقيات والمهرجانات الثقافية التي أبرزت هذا التنوع الثقافي الفريد. ورغم تطور المدينة وازدهارها، إلا أن هذا الطابع الثقافي ظل راسخاً في وجدان سكانها، الأمر الذي يساهم في جعل المدينة مكانًا مميزًا لمثل هذه الفعاليات الفكرية.

الكتاب والتاريخ: “أوثان السلفية التاريخية”

في هذا الحفل الأكاديمي، كان النقاش يدور حول الكتاب الذي أثار جدلاً علميًا وفكريًا واسعًا: أوثان السلفية التاريخية للدكتور عبد الخالق كلاب. الكتاب يعرض قراءة نقدية جديدة للتاريخ المغربي، إذ يناقش التأثيرات الخارجية على السرديات التاريخية المغربية ويطرح إمكانية إعادة النظر في الكثير من الروايات المتداولة.

الدكتور عبد الخالق كلاب، أستاذ التاريخ، قدم هذا الكتاب كدعوة لإعادة قراءة التاريخ المغربي بعيدًا عن التحيزات والتصورات المسبقة. وفي نقاشه، شدد على أهمية نقد السلفية التاريخية التي يُنظر إليها في كثير من الأحيان كمرجعية ثابتة. كلاب، الذي يُعرف بنقده الجريء والموضوعي، دعا الحضور إلى فهم تاريخهم بمنظور جديد، بعيدًا عن التأثيرات الخارجية التي قد تشوه الصورة الأصلية للأحداث.

مداخلات فكرية متميزة

تميز هذا اللقاء بمداخلات أكاديمية أثرت النقاش ومنحته عمقًا إضافيًا، حيث قدم الأستاذ عبد الله الحلوي، أستاذ التعليم العالي المتخصص في اللسانيات وفيلولوجيا الكتابات القديمة، مداخلة ثرية من ناحية التحليل المنهجي. ركز الحلوي على أهمية التفاعل العلمي النقدي مع الكتاب، مشيرًا إلى أن دراسة التاريخ تتطلب أدوات تحليل دقيقة ومنهجًا صارمًا لفهم أصول الروايات التاريخية بعيدًا عن الإسقاطات الأيديولوجية. كانت مداخلته محورية في إبراز أهمية المقاربة اللسانية لفك رموز التاريخ المدون والمروي.

من جهته، قدّم الأستاذ أحمد عصيد قراءة نقدية للكتاب بأسلوبه التبسيطي المعهود، حيث قيّم العمل باعتباره إسهامًا شجاعًا في إعادة النظر في الروايات التاريخية السائدة. واعتبر أن مثل هذه الدراسات تفتح آفاقًا جديدة لفهم تاريخ المغرب بعيدًا عن الخطابات التقليدية، مؤكدًا على أن النقد التاريخي هو خطوة أساسية نحو تأسيس وعي تاريخي متجدد.

تسيير ديمقراطي ومهني بقيادة الأستاذ ياسين العمري

من أبرز نقاط القوة التي ميزت هذا الحدث هو التسيير السلس والديمقراطي الذي قاده الأستاذ ياسين العمري، حيث لعب دورًا أساسيًا في خلق أجواء من الحوار المهني والهادئ. بفضل إدارته المتوازنة، استطاع الحضور التعبير عن آرائهم بحرية وانخراط في نقاش مثمر بعيدًا عن التشنجات، مما ساهم في إنجاح الفعالية وإثراء الحوار العلمي حول موضوع الكتاب.

كما أن دعوة دمنات إلى “عقلنة الفكر” تأتي كجزء من المبادرات التي أطلقها الأستاذ ياسين العمري، والتي تسعى إلى الارتقاء بالمستوى الفكري والثقافي، وتشجيع التفكير النقدي والمنهجي في مختلف القضايا العلمية والتاريخية. وقد كانت هذه المبادرة بمثابة مناشدة لكل الغيورين على الرقي الفكري للانخراط في مشاريع ثقافية جادة تسهم في بناء وعي معرفي متين.

دمنات: أرض خصبة للنقاشات الجادة

دمنات لا تشتهر فقط بتراثها الثقافي، بل أيضًا بعقلية سكانها الذين يتسمون بالانفتاح الفكري والقدرة على إجراء نقاشات معمقة وهادئة بعيدًا عن العواطف الجارفة. وهذا ما ميز الحضور في الأمسية، حيث تبادل الحضور الأفكار بمنهجية علمية تقوم على الاحترام المتبادل وإدراك قيمة التنوع في الآراء.

شكر وتقدير للمساهمين في هذا الحدث الثقافي

لا يمكن الحديث عن هذا الحدث الثقافي دون الإشارة إلى الأشخاص الذين ساهموا في نجاحه. بداية من الأستاذة عفاف جودار، التي لعبت دورًا محوريًا في تنسيق الفعالية، مرورًا بالأخ نور الدين السبع الذي دعم جميع المبادرات الثقافية، وصولاً إلى جنود الخفاء الذين عملوا بصمت لنجاح هذا الحدث.

كما كان من الضروري توجيه الشكر والامتنان للدكتور عبد الخالق كلاب، الذي لم يكتفِ بمجرد تقديم كتابه، بل شارك الحضور في نقاشات فكرية معمقة حول قضايا التاريخ والفكر، مما أضاف بُعدًا أكاديميًا وأكسب الفعالية قيمة علمية كبيرة.

دعوة للمشاركة في نقاشات المستقبل

بهذا الحدث، تسعى دمنات إلى أن تصبح مركزًا ثقافيًا وفكريًا في المغرب، ومكانًا يحتضن النقاشات الجادة حول التراث، الفكر، والتاريخ. ووفقًا للأستاذة عفاف جودار، فإن دعوة الحضور والمشاركة في مثل هذه الأنشطة ليست مجرد مشاركة في نقاش عابر، بل هي مساهمة في بناء ثقافة فكرية مسؤولة وهادفة بعيدًا عن الموروثات الفكرية السطحية.

تُعد هذه الفعالية بداية لسلسلة من الأنشطة التي تسعى إلى تجديد الفكر الثقافي والفلسفي في المنطقة، وستتبعها فعاليات أخرى في مدن مثل أكادير، مما يفتح المجال أمام تبادل ثقافي ثري ومتنوع يعكس روح المغرب المتجددة.

ختامًا

تظل دمنات أحد أبرز المنارات الثقافية التي تسعى لتغيير المشهد الثقافي والفكري في المغرب، بفضل منظمات ومثقفين يؤمنون بأهمية تجديد الفكر واستعادة الوعي الثقافي الجماعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.