الأسباب الحقيقية وراء مقتل أستاذة أرفود…الله ايرحمها…

0 530

يونس اعقيد
عند حدوث نوازل عنف بالمؤسسات، ينكب الكل عن نقاش الحدث ، وينغمس الجميع في الانحياز لهذا الطرف أو الطرف الاخر، مستحضرين العرف الاجتماعي وسؤال القيم والانتماء الاجتماعي، لكن لا أحد يطرح الاسئلة الواجب مواجهتها، لتفادي وقوع احداث شبيهة ، إذ تبقى المقاربة الأمنية مجرد رادع ، وغير كافية حتى في أعتى الدول، كامريكا مثلا، حيث حوادث التهديد بالقتل عبر الانترنيت تدفع لاستدعاء 700 طفل في سن العاشرة لمخافر الامن في فترة زمنية متقاربة وبولايات متعددة….
من المعلوم أن حلقة العنف حينما تبدأ لا تنتهي كدرر العقد ، خاصة بسبب التاثير والتأثر والتقليد الناتج عن الاعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي ، وهو ما شاهدناه في تسلسل مجموعة من نوازل العنف، التي اصبح حتى الاعلام بشكل ما مترصدا لها واكثر اهتماما بها …ومع الاهتمام بظاهرة ما ، يميل المجتمع لمشاهدتها وتكرارها أكثر في غياب ادوات النقد والتحليل الموضوعي..وغلبة منطق ردود الفعل عن منطق التواصل …خاصة حين نتحدث عن مراهقين صار جل وقتهم بالهاتف….
المقاربة الواجب اتباعها لتفادي تكرار هذه النوازل، هو اخضاع كل نازلة للفحص النفسي ، الاجتماعي بشكل محايد وموضوعي، آخذين بعين الاعتبار دوافع الجناة والضحايا على حد سواء، وعدم الانسياق مع العاطفة التي تدفعنا دوما للانحياز مع الجماعة شد الأقلية ، او مع الضحية ضد الجاني…
وفقا لهذا التصور، سأشرع في محاولة لتحليل نازلة أرفود التي اهتز لها الراي العام الوطني ، في أفق تشريح نوازل اخرى ( كنازلة الشماعية والمدير الذي أصيب بسكتة قلبية والاستاذ بمدينة الريش الذي ثم التهجم على منزله، وليس رجمه، بالحجارة من طرف تلاميذ)

اول سؤال يجب طرحه، لماذا أحس التلميذ بضرورة الارتباط العاطفي بالاستاذة، وليس بغيرها؟؟؟ .نفسيا نميل للارتباط بمن يظهرون أنهم أقرب إلينا في السن أو الوضع الاجتماعي، لا يمكن لتلميذ الحلم بالارتباط بأستاذته مالم يحس بأنها قريبة منه ( سواء اجتماعيا، او عمريا، او سلوكيا…..او او او ) …في العادة وفي الماضي، كان الاستاذ يقيم جدارا أمنيا رمزيا فعالا وهو التعالي ما أمكن ، سلوكيا ، لفظيا شكلا ومضمونا عن طريق إرتداء لباس مميز ….التزام مسافة نفسية مع التلميذ، وعدم الاقتراب منه نفسيا وسلوكيا وعاطفيا ووجدانيا…فلم يكن يسمح للاستاذ بمخاطبة المراهق بألفاظ ولغة المراهق في حالة الغضب ..كانت لغة الكرد من المؤسسة والمجلس التأديبية سيدة الموقف اليوم مع هامش الحريات، صار واجبا على الاستاذ اتقان لعب وتمثيل دور الاستاذ …واقناع المراهق بأنه استاذ، وليس شخصا يسب ويلعن ويتحدث ويفكر ويتصرف ويلبس ويعيش مثل الناس ..هو شخص رصين متعال يفرض الاحترام شكلا ومضمونا …شخص غامض لا يعرف مسكنه، ولا كيف يعيش ولا ولا ولا….
ثانيا: ربما التلميذ ضحية غريزة جامحة تولدت عنها شحنات عاطفية اتجاه الأستاذة ( كشكل من أشكال الانفلات النفسي والابتعاد عن مواجهة الواقع المرير للمراهق الجاني) .. والتلميذ اكيد هو ضحية فكر سائد يتم الترويج له عن طريق الأقران، او عبر الأفلام المفربية الرمضانية والمنصات الاجتماعية، وهو كون طالب( خيبوع مراهق ) يمكنه الزواج بأستاذته الجامعية( أرقى مستوى تعليمي) وممارسة التبرهيش معاها، عبر الميساجات وغير ذلك….التشابه هنا بين الافلام والنازلة التي بين ايدينا ، هو كون الأستاذة فعلا وزعت رقم هاتفها لغايات تربوية، لكنها حين وزعت رقم هاتفها على مراهقين مفعمين بالحياة والصحة البدنية والفحولة ، لم تدرك حجم الشرخ الاجتماعي الذي يفصل تصورها البيداغوجي عن تصور مراهقين بمنطقة لا تخرج فيها المرأة بلباس عصري ، بل برداء أسود لا يترك مجالا للتآلف والتطبيع مع مشاهدة جسد المرأة كمعطى رياضي او استطيقي جمالي…فحتى شكل الأستاذة الذي يمكن أن أعتبره شخصيا جهادا حضاريا بمنطقة لازالت منفصلة وتطغى عليها ثقافة الستر والحجاب والحشمة…..، هذا الشكل في اللباس والعيش يعتبر استفزازا حضاريا لعقليات المنطقة البدوية المنعزلة….رغم كونه لا يعطي لاحد الحق في القتل او أذية الآخر…
الحل هو مراعاة الاستاذ للخصوصيات المرضية للوسط الذي يعيش فيه….والتأقلم معه…
ثالثا: الاستاذة عطفت على تلميذها أكثر من أمه، لكن فهم التلميذ المراهق المحروم عاطفيا اعتبر ذلك ربما تقربا وحبا غريزيا من طرف الأستاذة….اسوء ما وقع في السيناريو هو أن التلميذ كمراهق لم يتحكم في عواطفه وغامر بالبوح عنها…..حجم الحب هذا قوبل بالرفض والعقاب وسخرية الأقران ،. وهو شبه إعدام اجتماعي لشخصية المراهق الجاني ، خاصة أنه بقي بنفس المؤسسة عرضة لتنمر أقرانه، مما اعتبره هو تشهيرا من طرف أستاذة وإعداما لحقه في التواجد بشكل متكافيء مع الاخرين، بل وإعداما لحقه في الحب….(وهو حق بشري )….ووصما سيستحيل معه الارتباط بأي انثى من سنه لكونه صار عرضة للسخرية ….هذا القمع بالموازاة مع القمع الاجتماعي والطبقي …..سيولد لدى التلميذ احساسا بالحقد…خاصة مع الهوة الاجتماعية التي تربطه بالاستاذة….والهوة التواصلية …وتشبت الأستاذة المرحومة ( وهي ايضا كبشر حاملة لفكر اجتماعي معين بفعل التربية الأسرية وغيرها ) تشبتها بموقفها الكاره للتلميذ ..وبالامتناع عن التواصل …مما جعل الهوة تتسع وفتح فرصة للتأويلات…..خاصة مع غياب مرشد او مرشدة نفسية متخصصة في الميدان…..

يجب أولا تحليل الامور بموضوعية، وثانيا تفعيل الانصات وخلايا الدعم النفسي ذاخل المؤسسات، وتبني مقاربات تواصلي يكون التلميذ محورها ، سواء عند التبليغ او ارساء السياسات الأمنية الذاخلية بالمؤسسة…ثالثا يجب الاستباق …عن طريق تحديد مؤشرات الفعل الجرمي وقراءة نتائج الإجراءات الإدارية ووقعها النفسي على نفسية الطفل او المراهق على حد سواء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.