“مول الترانزيت”… الشريان الإنساني الذي يفكّ العزلة عن قرى المغرب العميق: ملحمة الصبر والمهنية في خدمة الساكنة

0 149

​اولى نيوز // عبد الله أيت المؤذن

​في خضم الحديث عن نماذج التنمية المستدامة، غالباً ما تتوجه الأنظار نحو المشاريع الكبرى والبنيات التحتية الضخمة. لكن في ريفنا العميق، حيث تحديات الجغرافيا وشحّ الخدمات تضعان ساكنة الدواوير في مواجهة يومية مع العزلة خاصة وفي فصل الشتاء حيث الثلوج تحاصر مناطق تعرف العزلة لبعض المناطق القروية، نجد رواداً من نوع آخر، يسهمون بشكل حقيقي ومباشر في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
إنهم فئة “مُولٔ ترانزيت” كما يحلو للمواطنين تسميتهم، أو أصحاب سيارات النقل المزدوج، الذين هم بحق، جزء أصيل من النسيج الاجتماعي وشريان الحياة النابض في قلب المغرب القروي.
​في هذا التقرير، نحاول أن نضع الإصبع على جرح وألم، هو في الحقيقة أمل وحياة.
كلما أوغلنا في قلب الأرياف والجبال المغربية، نجد دروب الحياة تتشابك بين تحديات الجغرافيا القاسية وشحّ الخدمات الأساسية. من هنا، برز مهنيون لم يكتفوا بنقل الركاب والبضائع، بل تحولوا إلى قاسم مشترك في تفاصيل الحياة اليومية لسكان القرى، مجسدين مزيجاً فريداً من الصبر المهني والتعاطف الإنساني الذي يكاد ينعدم في صور النقل العمومي الأخرى.
​لقد أحبت ساكنة الدواوير والقرى أن تطلق عليهم باعتزاز ومودة اسم “مُولٔ ترانْزِيتْ” (أو سائق النقل المزدوج)، اعترافاً بدورهم البطولي الصامت.
إن سيارة النقل المزدوج( طرانزيت)، بالنسبة للريف، ليست مجرد وسيلة نقل عادية. إنها أشبه بـ “سفينة الصحراء” أو “سلة التسوق المتحركة”، تتحول إلى نقطة التقاء ومركز إمداد، خاصة في أيام الأسواق الأسبوعية.
​فـ سائق “مول الترانزيت” هو البطل الذي يكسر عزلة القرى النائية، ناقلاً الساكنة من الدواوير إلى الأسواق القريبة التي قد تبعد عشرات الكيلومترات، ثم عودتهم محملين بمؤونتهم وحاجياتهم.
وعلى مستوى ​المهنية الإنسانية: “الخاطر” أساس العمل، ف​الجانب المهني الذي يتميز به هؤلاء السائقون هو ما يسميه أهل القرى بـ “الخَاطْر”، أي القدرة الفائقة على التحمل والصبر وسعة البال.
فعملهم يتطلب مهارات قيادة خاصة على مسالك وعرة، إضافة إلى قدرة استثنائية على التعامل مع كل الفئات العمرية والاجتماعية.
​تجدهم يساعدون المسنين على الصعود والنزول، يتفقدون الأطفال، ويشاركون في تحميل وتنزيل الأمتعة الثقيلة التي جُلبت من السوق، سواء كانت أكياس دقيق أو قنينات غاز أو مواد بناء خفيفة. بل يتجاوز دورهم حدود النقل ليتحولوا إلى “وسطاء” و”موزعي طلبات”.
فكثيراً ما يقومون بـ “إيصال السخرة” (الحاجيات) لأناس لم يتمكنوا من الحضور إلى السوق، فيتحملون مسؤولية نقلها إلى أبواب منازلهم، متجاوزين بذلك المفهوم الضيق لخدمة النقل إلى مفهوم الخدمة الاجتماعية المتكاملة.
​لكن ما يجعل “مول الترانزيت” أيقونة مجتمعية حقيقية هو الجانب الإنساني العميق الذي يطغى على تعاملاته المالية واليومية.
فعلى الرغم من أن مهنتهم تواجه تحديات اقتصادية جمة، تشمل ارتفاع أسعار المحروقات، وتكاليف صيانة المركبات التي تزداد بحدة بسبب وعورة الطرق القروية (حتى قبل تعبيدها في العديد من المناطق)، يصرّ الكثير منهم على الحفاظ على ثمن تنقل “مناسب جداً للساكنة”، وهو ثمن يكاد يكون ثابتاً منذ زمن طويل.
​هذا الثبات في السعر، على الرغم من التقلبات الاقتصادية، يعكس حسّاً عالياً بالمسؤولية تجاه فئة غالباً ما تكون من ذوي الدخل المحدود. هنا تكمن الروح الإنسانية: هؤلاء السائقون هم إنسانيون قبل أن يكونوا مهنيين.
و​تتجسد هذه الأخلاق الرفيعة في لغتهم اليومية وتعابيرهم التي لا تكاد تفارق ألسنتهم. فبدلاً من التذمر والشكوى، تسمعهم يقولون بصدق: “سمحو لينا الناس” عند أي تأخير، أو “غير صبر، كلشي غادي مزيان”، أو العبارة الجامعة التي تلخص فلسفتهم في العمل: “حنا نتعاونو مع الناس، الله اكون فعاون الجميع”. هي كلمات بسيطة لكنها تحمل في طياتها قيماً راسخة من التآزر والتعاون والتخفيف من أعباء الناس.
​وأسمى مظاهر هذا الحس الإنساني هو التنازل عن واجب التنقل في بعض الأحيان. فكم من أرملة، أو شيخ كبير، أو شاب عاطل عن العمل، أو طفل صغير، وجد في “مول الترانزيت” سنداً يوصله مجاناً إلى وجهته، إيماناً من السائق بأن مساعدة الضعيف هي رزق آخر لا يُحصى بالمال.
​في مقابل هذا النموذج المشرق، يرى الكثيرون أن هذه الخصائص النبيلة هي ما تفتقر إليه اليوم كثير من قطاعات النقل العمومي الأخرى، التي أصبحت تغلب فيها المادة على المعاملة، ويحلّ فيها الجشع محلّ “الخاطر” و”التحمل”.
​إن قصة “مول الترانزيت” هي ليست مجرد تقرير صحفي عن وسيلة نقل، بل هي شهادة على أن القيم والأخلاق يمكن أن تكون حجر الزاوية في أي مهنة، خاصة تلك التي تتعلق بتقديم الخدمة للجمهور. هم شريان حياة حقيقي، ورمز للصمود في وجه العزلة، ونموذج يحتذى به في إدماج الجانب الاجتماعي والإنساني في العمل الاقتصادي. إنهم بحق، أبطال التنمية المحلية الصامتون الذين يستحقون كل التقدير والدعم، لتبقى عجلات “الترانزيت” تدور، حاملة معها الأمل والمؤونة والتواصل بين قرى كانت ولا تزال تعتمد عليهم لفكّ العزلة وتحقيق الاندماج الاجتماعي والاقتصادي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.