“افتتاحية رأي | حين تتحول “التهركاويت” من توصيف ساخر إلى مرآة لاختلالات عميقة”
محمد النوري-أولى نيوز.
في النقاش العمومي، كثيرًا ما تُستعمل المفاهيم الساخرة لتبسيط واقع مركب، غير أن الخطورة تبدأ حين تختزل هذه المفاهيم أزمات بنيوية في سلوكيات فردية معزولة. فالضرائب، بوصفها إحدى أدوات إعادة توزيع الثروة وترسيخ العقد الاجتماعي، لا تُقاس فقط بمدى الامتثال لها، بل أيضًا بكيفية توظيفها لخدمة العدالة المجالية والاجتماعية.
من هذا المنطلق، يطرح الجدل حول بعض الأسماء الفنية والإعلامية، التي تستفيد من المال العام عبر الإنتاجات المدعمة أو الإشهار، سؤالًا مشروعًا: هل يواكب هذا الاستفادة التزام مماثل داخل المنظومة الجبائية الوطنية؟ أم أن جزءًا من هذه العائدات يُعاد ضخه في اقتصادات خارجية توفر شروطًا أكثر صرامة في المحاسبة والحكامة؟ سؤال لا يستهدف الأشخاص بقدر ما يلامس جوهر الإنصاف الضريبي.
غير أن ما أثار الانتباه مؤخرًا هو توظيف مصطلح “التهركاويت” في سياق سوسيولوجي خلال تظاهرة ثقافية رسمية، في محاولة لتوصيف فئات من المجتمع باعتبارها غير مندمجة في محيطها “المتحضر”. قراءة من هذا النوع، وإن بدت في ظاهرها تحليلية، فإنها تحمل في عمقها نزوعًا اختزاليًا يُلقي بالمسؤولية على الفرد، متجاهلًا السياقات البنيوية التي تُنتج الهشاشة والتفاوت.
فالحديث عن “التهركاويت” لا يمكن فصله عن معطيات صادمة: ملايين المواطنين يعيشون على هامش التنمية منذ عقود، رغم تضاعف المؤشرات الاقتصادية. منظومة تعليمية تتذيل تصنيفات الجودة والإنصاف، ونظام صحي يعاني من اختلالات حادة في الولوج والخدمات، مقابل استثمارات ضخمة في مشاريع كبرى تثير نقاشًا حول أولوياتها وجدواها الاجتماعية.
في هذا السياق، تبدو المفارقة أكثر حدة: بلد غني بموارده الطبيعية، لكنه يلجأ إلى سياسات دعم ظرفية، مثل المساعدات الغذائية الموسمية، بدل بناء منظومات حماية اجتماعية مستدامة. اقتصاد يمنح صفقات ضخمة لعدد محدود من الفاعلين، بينما تتساقط آلاف المقاولات الصغرى سنويًا تحت ضغط الأزمات، ويتفاقم معدل البطالة، خاصة في صفوف الشباب.
أما على مستوى المالية العمومية، فإن اللجوء المتكرر إلى الاقتراض يطرح تساؤلات حول نجاعة النموذج التنموي، في ظل ارتفاع كلفة خدمة الدين، واستمرار الدوران في حلقة مفرغة تُبرر بالقولة الجاهزة: “لا تنمية دون مديونية”.
في القطاع الصحي، تتجلى “التهركاويت” – إن جاز استعمال المصطلح – في أبسط صورها: مواعيد علاج تمتد لأشهر وربما سنوات، نقص في التجهيزات الأساسية، وفواجع إنسانية تُسجل داخل مؤسسات يفترض أنها تحمي الحق في الحياة.
وفي النهاية، يصبح السؤال الجوهري: هل “التهركاويت” سلوك فردي كما يُروج له، أم نتيجة طبيعية لاختلالات عميقة في توزيع الثروة، وفي ترتيب الأولويات، وفي حكامة السياسات العمومية؟
الجواب، كما يبدو، لا يكمن في السخرية ولا في التنميط، بل في الجرأة على مواجهة الحقائق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة الاعتبار لمفهوم العدالة الاجتماعية كمدخل أساسي لأي مشروع تنموي حقيقي.