“النرويج تودّع الملك هارالد الخامس في جنازة رسمية مهيبة.. أوسلو تحتفي بملكٍ ارتبط اسمه بقربه من شعبه”
أوسلو-أولى نيوز.
شهدت العاصمة النرويجية أوسلو، الأربعاء 9 شتنبر 2026، مراسم الجنازة الرسمية للملك الراحل هارالد الخامس، في مشهد مهيب اختلطت فيه الرمزية الملكية بالحزن الشعبي، إيذاناً بنهاية فصل دام أكثر من ثلاثة عقود في تاريخ الملكية النرويجية. وكان هارالد الخامس قد توفي في 28 غشت الماضي عن عمر ناهز 89 عاماً، بعد أن أمضى نحو 35 عاماً على العرش، قبل أن يتولى نجله هاكون قيادة العائلة المالكة وخلافته على العرش.
ومنذ الساعات الأولى لمراسم التشييع، تحولت شوارع أوسلو إلى فضاء واسع للحداد الوطني، حيث اصطف آلاف المواطنين على طول مسار الموكب الجنائزي، بينما حملت مراسم الوداع طابعاً رسمياً وعسكرياً ودينياً يعكس مكانة الملك الراحل في الدولة النرويجية. وانطلق الموكب من القصر الملكي باتجاه كاتدرائية أوسلو، وسط حضور أفراد الأسرة المالكة وشخصيات سياسية ورسمية وملوك وأمراء وممثلين عن عدد من الدول.
ولم يكن الحضور الدولي عادياً، إذ شاركت وفود من عدد من الملكيات الأوروبية والعالمية في تقديم واجب العزاء، فيما مثّل الأمير وليام العاهل البريطاني الملك تشارلز الثالث خلال المراسم. وشكل الحضور الملكي الدولي رسالة واضحة بشأن المكانة التي احتلها هارالد الخامس داخل شبكة العلاقات التاريخية التي تجمع الأسر الملكية الأوروبية.
وفي قلب المشهد، سار الملك هاكون الثامن، نجل الراحل، إلى جانب أفراد الأسرة المالكة، في لحظة تختزل الانتقال من عهد إلى عهد؛ فمن جهة، كانت النرويج تودع ملكاً ارتبط اسمه بحكم طويل وبصورة قريبة من المواطنين، ومن جهة أخرى كانت تفتح صفحة جديدة مع العاهل الجديد الذي أصبح أمام مسؤولية مواصلة تقاليد المؤسسة الملكية في بلد يعرف بنموذجه الديمقراطي وبعلاقة خاصة بين الملكية والمجتمع.
وكان هارالد الخامس قد اعتُبر خلال سنوات حكمه ملكاً ذا حضور هادئ وقريب من الناس، بعيداً عن الصورة التقليدية المتعالية للسلطة الملكية. وقد ارتبط اسمه بمحاولات تحديث دور المؤسسة الملكية مع الحفاظ على موقعها الرمزي داخل الدولة، كما عُرف باهتمامه الكبير برياضة الإبحار، التي كانت جزءاً بارزاً من مسيرته الشخصية. وتؤكد التغطيات الدولية أن علاقته بالمواطنين وشخصيته المتواضعة كانتا من أبرز أسباب الشعبية التي حظي بها خلال فترة حكمه.
وبعد انتهاء مراسم الجنازة في كاتدرائية أوسلو، نُقل جثمان الملك الراحل إلى قلعة آكيرشوس، حيث ووري الثرى في المدفن الملكي خلال مراسم خاصة، لينضم بذلك إلى عدد من أفراد الأسرة المالكة الذين دُفنوا في هذا الموقع التاريخي.
وتحمل جنازة هارالد الخامس، بعيداً عن البروتوكول الملكي ومظاهر الحضور الدولي، دلالة أعمق تتعلق بصورة الملكية النرويجية نفسها؛ فالمشهد الذي جمع الأسرة المالكة والجيش والمؤسسات الدستورية وآلاف المواطنين في شوارع أوسلو عكس محاولة الحفاظ على تقليد ملكي عريق داخل مجتمع حديث، حيث لا تُقاس شرعية المؤسسة الملكية فقط بتاريخها، وإنما أيضاً بقدرتها على البقاء قريبة من المواطنين ومتناغمة مع التحولات التي يعرفها المجتمع.
وهكذا أسدلت النرويج الستار على عهد هارالد الخامس، وسط حزن شعبي ورسمي، لتبدأ مرحلة جديدة مع الملك هاكون الثامن، في انتقال هادئ لكنه محمّل بالكثير من الرمزية والمسؤوليات، بينما سيبقى اسم الملك الراحل مرتبطاً بمرحلة طويلة من تاريخ النرويج الحديث، وبملك اختار أن يظل على العرش حتى نهاية حياته، تاركاً خلفه إرثاً ملكياً يتجاوز المراسم والبروتوكول إلى علاقة إنسانية وسياسية خاصة مع شعبه.
إعداد: محمد النوري – جريدة أولى نيوز.