مريرت.. “عَمِّر وسير” تتحول إلى كابوس يومي في محطات الوقود والعمّال يؤدّون الفاتورة

0 137

مريرت –أولى نيوز.
في مشهد ليلي هادئ ظاهرياً داخل إحدى محطات التزود بالوقود على مشارف مدينة مريرت، تبدو الأضواء قوية والأرض مبللة وآثار العجلات واضحة، غير أن خلف هذا السكون قصة توتر يومي يعيشها عمّال المحطات، عنوانها الأبرز: زبناء يتزودون بالوقود ثم يختفون في العتمة دون أداء المستحقات. ظاهرة باتت، وفق إفادات متطابقة لعدد من المستخدمين، تتكرر بوتيرة مقلقة، وتحوّلت من حوادث معزولة إلى سلوك يستنزف الأعصاب ويُثقل كاهل الفئات الأضعف في سلسلة الخدمات.

العمّال، وهم الحلقة الأمامية في مواجهة الزبون، يجدون أنفسهم في وضعية هشّة بين مطرقة الإدارة وسندان “الفرار بالوقود”. فبمجرد مغادرة سيارة دون أداء، تبدأ رحلة مساءلات داخلية قد تنتهي باقتطاعات غير معلنة من الأجور أو ضغوط نفسية متواصلة، رغم أن العامل لا يملك لا وسائل ردع قانونية ولا صلاحيات توقيف المركبات. “نحن نعمل لتأمين الخدمة، لا لنقوم بدور الشرطة”، عبارة يرددها أحد المستخدمين، مختصراً حالة الالتباس بين المسؤولية المهنية وحدود السلطة.

المشكل لا يقف عند الخسارة المادية فقط، بل يتجاوزها إلى بعد إنساني وأمني. فمحطات الوقود فضاءات مفتوحة، والعمل غالباً يتم ليلاً وبعدد محدود من المستخدمين، ما يجعل أي محاولة اعتراض على زبون مشتبه فيه مخاطرة حقيقية. وفي غياب تجهيزات تقنية كافية في بعض المحطات، مثل أنظمة كاميرات عالية الدقة موجهة نحو لوحات الترقيم أو آليات أداء مسبق، يصبح العامل مطالباً بـ“الثقة” في كل زبون، حتى لو سبق أن تعرّض لعمليات نصب مماثلة.

من زاوية قانونية، يُصنَّف التزود بالوقود دون أداء ضمن الأفعال التي تمس بالملكية والذمة المالية، لكن الإشكال المطروح عملياً هو صعوبة التتبع. فكثير من الحالات تمر دون شكاية رسمية، إما لصعوبة تحديد هوية الفاعل، أو لتفادي تعقيدات المساطر، أو لأن قيمة الخسارة الفردية تُعتبر “صغيرة” مقارنة بكلفة المتابعة. غير أن تراكم هذه “المبالغ الصغيرة” يتحول مع الوقت إلى نزيف حقيقي، غالباً ما يُرحَّل بشكل غير عادل نحو جيوب العمال.

المشهد يطرح أسئلة مهنية وأخلاقية في آن واحد: إلى أي حد يُعقل تحميل عامل بسيط مسؤولية فعل احتيالي خارج عن إرادته؟ وأين تنتهي مسؤولية المشغّل في توفير شروط الحماية التقنية والقانونية؟ ثم ماذا عن دور التوعية والزجر في مواجهة سلوك يضرب مبدأ الثقة الذي تقوم عليه المعاملات اليومية؟

في مدن كبرى، اتجهت بعض المحطات إلى اعتماد الأداء المسبق أو أنظمة مراقبة متطورة، وهو ما حدّ من الظاهرة نسبياً، لكن في مدن متوسطة وصغيرة، ما تزال العلاقة المباشرة بين العامل والزبون هي الأساس، مع ما تحمله من مخاطر. وبين الرغبة في الحفاظ على انسيابية الخدمة والخشية من تعقيدها على الزبناء النزهاء، يبقى العامل وحيداً في الواجهة، يدفع ثمن اختلال لا يد له فيه.

قضية “الفرار بالوقود” في مريرت ليست مجرد حوادث متفرقة، بل مؤشر على هشاشة وضع اجتماعي ومهني يحتاج إلى مقاربة شمولية: حماية قانونية واضحة للعمّال، تجهيزات تقنية إلزامية، ومسؤولية مؤسساتية لا تُختزل في البحث عن أضعف طرف لتحميله الخسائر. فكرامة العمل لا تقل أهمية عن ثمن اللتر، وأمن العامل يجب أن يكون جزءاً من معادلة الخدمة، لا تفصيلاً مهملاً على هامشها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.