“حصرياً.. من «الحمامة» إلى «الميزان».. وثيقة استقالة لحسن أودعي تعيد ملف ترشحه بتنغير إلى واجهة النقاش القانوني والسياسي”

0 31

أولى نيوز – إعداد.. محمد النوري.

في خضم النقاش السياسي المتصاعد الذي يرافق الاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، عاد اسم لحسن أودعي، وكيل لائحة حزب الاستقلال بالدائرة الانتخابية المحلية لتنغير، إلى واجهة الجدل من جديد، ليس فقط بسبب انتقاله السياسي من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الاستقلال، وإنما بسبب الأسئلة التي أصبحت تطرح حول وضعيته الحزبية والانتدابية والقانونية، وما إذا كانت كل الآثار المرتبطة باستقالته من الحزب السابق قد رتبت بشكل نهائي قبل دخوله السباق الانتخابي باسم «الميزان».

ومن باب الإنصاف، فإن هذا الملف يحتاج إلى شيء من الهدوء والتجرد، لأن القانون لا يتغير بحسب الأشخاص، ولا يمكن أن يكون مشدداً عندما يتعلق الأمر بمنافس سياسي ومتساهلاً عندما يتعلق الأمر بحليف أو صديق أو ابن قبيلة. وإذا كان من حق أي طرف أن يناقش أهلية منافسه، فإن من واجب الجميع أن يضع الوثيقة أمام النص القانوني، وأن يترك للجهة المختصة مهمة الحسم في أي نزاع محتمل.

والوثيقة التي حصل عليها النقاش العمومي والمتعلقة باستقالة لحسن أودعي من حزب التجمع الوطني للأحرار تكتسي أهمية خاصة في هذا السياق؛ فهي تظهر أن الحزب توصل بالفعل بمراسلة تتعلق بطلب الاستقالة، غير أن مضمون جواب الحزب لا يقول إن الاستقالة قُبلت وانتهت آثارها القانونية بشكل نهائي، بل يشير بوضوح إلى أن الإدارة الحزبية طلبت من المعني بالأمر تسوية التزاماته وواجباته تجاه الحزب، بما فيها ما يرتبط بالمهام الانتدابية التي كان يزاولها باسمه، وذلك «حتى يتسنى البت في موضوع استقالتكم وترتيب آثارها القانونية».

وهنا بالضبط يبدأ السؤال القانوني الحقيقي، لا ينتهي.

فالقانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، بصيغته المحينة، يجعل النظام الأساسي لكل حزب متضمناً لشروط الانخراط والاستقالة والمساطر المتعلقة بها، كما يلزم الأحزاب باحترام شروط أهلية الترشح المنصوص عليها في القوانين الانتخابية. كما أن القانون التنظيمي رقم 54.25، الصادر سنة 2026، أدخل تعديلات على القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، وهو ما يجعل التعامل مع الملف اليوم يقتضي الرجوع إلى النصوص الجاري بها العمل، لا إلى اجتهادات قديمة أو قراءات مجتزأة.

وعليه، فإن مجرد القول إن الحزب توصل بالاستقالة لا يكفي وحده، كما لا يصح في المقابل القول إن بقاء الحزب بصدد «البت» في الاستقالة يعني تلقائياً أن المعني بالأمر ظل ممنوعاً من ممارسة حقه السياسي أو الترشح باسم حزب آخر. المسألة تحتاج إلى تدقيق في تاريخ تقديم الاستقالة، وتاريخ التوصل بها، ومضمون النظام الأساسي للحزب، والإجراءات التي اتخذت بعدها، وتاريخ ترتيب آثارها القانونية، ثم تاريخ إيداع الترشيح باسم حزب الاستقلال.

وهذه التواريخ تحديداً قد تكون أهم من كل السجال السياسي الدائر حالياً.

فانتقال شخص من حزب إلى حزب آخر ليس في حد ذاته واقعة غريبة في الحياة السياسية المغربية، لكن عندما يكون المعني بالأمر قد شغل في الوقت نفسه مسؤوليات انتخابية باسم الحزب السابق، فإن الملف يصبح أكثر تعقيداً، لأن هناك فرقاً بين الانتماء الحزبي وبين الوضعية الانتدابية، كما أن إنهاء العلاقة الحزبية لا يعني بالضرورة أن جميع الآثار المتعلقة بالمسؤوليات الانتخابية تنتهي في اللحظة نفسها.

ومن هنا أيضاً يأتي النقاش المتعلق برئاسة الجماعة وعضوية مجلس الجهة. فإذا كان أودعي قد قدم استقالته من تلك المسؤوليات، فإن المسألة لا تُختزل في وضع المفاتيح والطابع على المكتب ومغادرة الجماعة، وإنما تخضع للمساطر القانونية والإدارية التي تنظم إنهاء الانتداب وترتيب آثاره. وبالتالي، فإن استمرار بعض الإجراءات أو المهام خلال مرحلة انتقالية لا ينبغي أن يفسر تلقائياً بأنه استمرار نهائي في الوضعية السابقة، كما لا ينبغي أن يفسر تقديم الاستقالة وحده بأنه أنهى جميع الآثار القانونية في اللحظة نفسها.

وفي المقابل، فإن ترشح الرجل اليوم باسم حزب الاستقلال، وحمله رمز الميزان في الانتخابات التشريعية بتنغير، يمثل وضعاً قانونياً وسياسياً جديداً ينبغي تقييمه وفق شروط الترشح الخاصة بانتخابات مجلس النواب لسنة 2026. فقد دخل القانون التنظيمي رقم 53.25، الذي عدل القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، حيز التطبيق على الانتخابات التشريعية المقبلة، ويتضمن مقتضيات جديدة في عدد من مواد قانون الانتخابات، فيما أكد قرار المحكمة الدستورية دستورية هذا التعديل.

وبالتالي، فإن السؤال الذي يستحق أن يطرح مهنياً ليس: هل كان لحسن أودعي سابقاً في حزب التجمع الوطني للأحرار؟ فهذا أمر لا يبدو محل خلاف في الوثيقة المعروضة.

السؤال الحقيقي هو: ما هي وضعيته القانونية والحزبية في التاريخ الذي أودع فيه ترشيحه باسم حزب الاستقلال؟

وهل كانت الاستقالة من الحزب السابق قد استوفت الإجراءات التي يتطلبها القانون والنظام الأساسي للحزب؟ وهل رتبت آثارها القانونية في التاريخ المؤثر بالنسبة إلى الترشيح؟ وهل توجد وثيقة لاحقة تفيد بأن الحزب السابق حسم نهائياً في وضعية الاستقالة؟ ثم، وهو السؤال الأهم، هل يوجد أصلاً نص قانوني يجعل الوضعية التي كان عليها أودعي مانعاً من الترشح باسم حزب الاستقلال؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تطرح، لا أن يتم اختزال الملف في عبارات من قبيل «استقال ولم تقبل استقالته» أو «توصل الحزب باستقالته وانتهى الأمر».

فالوثيقة المنشورة أمام الرأي العام، كما تظهر من مضمونها، تثبت وجود طلب استقالة وتثبت توصل الحزب به، لكنها لا تحمل في حد ذاتها قراراً نهائياً بقبول الاستقالة وترتيب آثارها القانونية. وهذه نقطة ينبغي التعامل معها بكل دقة، حتى لا تتحول الوثيقة نفسها إلى مادة لتأويلين متناقضين بحسب موقع المتحدث من المرشح.

والأمر نفسه ينطبق على خصوم أودعي؛ فإذا كان هناك من يرى أن هذه الوثيقة أو غيرها تشكل مانعاً قانونياً أمام ترشحه، فالمطلوب ليس إطلاق الاتهامات أو التنبؤ بسقوط الترشيح، وإنما تحديد النص القانوني، والواقعة الثابتة، والتاريخ المؤثر، والجهة المخول لها قانوناً الحسم.

فالحياة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى سباق للبحث عن «ثغرات» في ملفات الخصوم، بينما يتم إهمال البرامج والبدائل والحصيلة والقدرة على إقناع الناخبين. وإذا كان القانون يسمح بالطعن في ترشيح منافس، فذلك حق مشروع، لكن استعمال هذا الحق ينبغي أن يكون مبنياً على حجج قانونية حقيقية، لا على الرغبة في إقصاء المنافس سياسياً.

والأغرب في مثل هذه النقاشات أن القانون نفسه الذي يبحث عنه البعض اليوم لإسقاط مرشح قد يصبح غداً هو نفسه الذي يُحتج به ضد مرشح من حزب آخر. ولذلك فإن القاعدة الأكثر عدلاً هي أن يطبق النص نفسه على أودعي كما سيطبق على أي مرشح آخر، سواء كان من «الحمامة» أو «الميزان» أو «السنبلة» أو «الجرار» أو غيرها من الأحزاب.

أما الحديث عن أن الرجل استفاد من أخطاء سابقة أو عمل على تسوية بعض أوضاعه، أو أنه أصبح أكثر احتياطاً في تعامله مع الملفات القانونية، فذلك يدخل في التقييم السياسي أكثر مما يدخل في إثبات الأهلية القانونية، ما لم تكن هناك وثائق أو أحكام أو قرارات رسمية يمكن الاستناد إليها.

وهنا تحديداً ينبغي أن ننتقل من منطق «الشخص» إلى منطق «الملف».

لحسن أودعي اليوم ليس مجرد رئيس جماعة أو منتخباً سابقاً باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، وإنما أصبح مرشحاً برلمانياً باسم حزب الاستقلال في دائرة تنغير، وبالتالي فإن أي نقاش حول وضعيته يجب أن ينطلق من هذه الصفة الجديدة ومن الشروط القانونية المؤطرة لها.

وفي المقابل، فإن منافسيه السياسيين مدعوون إلى خوض المعركة الحقيقية حيث يجب أن تكون: في البرامج، وفي الحصيلة، وفي القدرة على إقناع المواطن، وفي تقديم بديل قادر على خدمة الإقليم والدفاع عن مصالح ساكنته داخل المؤسسة التشريعية.

فالانتخابات في نهاية المطاف ليست مسابقة في إنتاج الشكايات والوثائق المتبادلة، ولا محكمة شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ إنها تنافس سياسي يحتكم في جانبه الانتخابي إلى الناخب، وفي جانبه القانوني إلى المؤسسات المختصة.

ومن هنا، فإن ملف لحسن أودعي لا يمكن اليوم اختزاله في سؤال واحد من قبيل: «هل استقال من الأحرار أم لا؟»، بل أصبح أمام سلسلة من الأسئلة القانونية المتشابكة التي تحتاج إلى ترتيب زمني دقيق للوثائق والقرارات والمراسلات.

متى قدم الاستقالة؟ متى توصل بها الحزب؟ ماذا طلب الحزب منه؟ هل استكملت الإجراءات؟ هل صدر قرار لاحق بشأنها؟ متى انتهت أو تغيرت مسؤولياته الانتدابية؟ ومتى أودع ترشيحه باسم حزب الاستقلال؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تكون موضوع النقاش الحقيقي.

أما إصدار حكم نهائي من منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، فذلك لن يخدم لا القانون ولا السياسة ولا الناخب التنغيري.

وفي انتظار أي موقف رسمي أو قرار قضائي يحسم نقطة قانونية محددة، يبقى الأصح مهنياً أن نقول: الوثيقة تفتح باب النقاش حول الوضعية القانونية للاستقالة، لكنها لا تكفي وحدها لإصدار حكم نهائي بشأن أهلية لحسن أودعي للترشح باسم حزب الاستقلال.

وفي المقابل، فإن من يملك وثيقة أخرى أو قراراً رسمياً أو مقتضى قانونياً صريحاً يناقض هذه القراءة، فالمجال مفتوح أمامه لعرضه أمام الرأي العام.

لأن القاعدة التي ينبغي أن تحكم انتخابات 23 شتنبر 2026 بتنغير بسيطة جداً:

لا نحاكم الأشخاص بالقَبلية، ولا نحميهم بالحزبية، ولا نسقطهم بالإشاعة؛ نضع الوثيقة أمام القانون، ونترك للقانون كلمته.

أولى نيوز – محمد النوري
ننتقد لنبني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.