حزب العدالة والتنمية.. اختيارٌ سياسي «أقل ضرراً» في ميزان التجربة والبدائل
في زمن انتخابي تختلط فيه الوعود بالبرامج، وتكثر فيه الشعارات بقدر ما تقلّ أحياناً القدرة على قياسها بالوقائع، يصبح من حق المواطن أن يسأل سؤالاً بسيطاً لكنه جوهري: أي حزب يمكن أن يكون أقل كلفة وضرراً على المجتمع إذا وُضعت الوعود الانتخابية أمام ميزان التجربة والمسؤولية؟
ومن هذه الزاوية، يطرح حزب العدالة والتنمية نفسه في الاستحقاقات التشريعية المقبلة باعتباره أحد الخيارات السياسية التي تستحق النقاش الهادئ، بعيداً عن منطق التقديس أو التخوين. فالحزب راكم تجربة حكومية وبرلمانية، وترك وراءه حصيلة يمكن نقدها ومناقشتها، كما يمكن مقارنتها بحصيلة باقي الفاعلين السياسيين.
ولا تعني الإشارة إلى الحزب تبرئته من الأخطاء. فقد ارتبطت مرحلة حكومة عبد الإله ابن كيران، على وجه الخصوص، بقرارات اقتصادية واجتماعية أثارت جدلاً واسعاً، وفي مقدمتها إصلاح نظام المقاصة ورفع الدعم تدريجياً عن عدد من المواد. ويمكن، من منظور سياسي واجتماعي، اعتبار طريقة تدبير هذا الملف إحدى النقاط التي تستحق النقد، خصوصاً من زاوية حماية القدرة الشرائية والبحث عن توازن أكثر عدالة بين إصلاح المالية العمومية وحماية الفئات الهشة.
لكن السياسة لا تُقاس فقط بما أخطأ فيه السياسي، وإنما أيضاً بما يمكن أن يتعلمه من أخطائه، وبمدى قابلية برامجه للمساءلة والتصحيح.
واللافت في الخطاب الانتخابي الظاهر في اللائحة السياسية لعمالك اقليم تنغير بتقديم مرشحين بملفات مهنية وأكاديمية متنوعة؛ إذ تضم اللائحة، وفق الأسماء الإنتخابية الواردة، عبد الواحد صديقي وكيلاً للائحة، إلى جانب أحمد المستوري والحسن سلمي، مع إبراز مساراتهم المهنية والتكوينية والسياسية.
والأهم أن البرنامج الانتخابي المعروض لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد قائمة من الوعود، بل كـالتزام سياسي قابل للحساب والمساءلة: تحسين جودة التعليم والتغطية الصحية، دعم الفئات المتضررة، تعزيز الكرامة والمواطنة، والانتصار لمجتمع متماسك، وهي عناوين لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا بمدى ترجمتها إلى سياسات عمومية قابلة للقياس.
أما المواطن، فليس مطالباً بأن يمنح شيكاً على بياض لأي حزب؛ بل مطالب بأن يقارن، ويسأل، ويفحص البرامج، ويستحضر التجارب السابقة، ثم يقرر بحرية أمام صندوق الاقتراع.
وبين حزبٍ بلا تجربة يمكن أن يبيع المستقبل بالكلمات، وحزبٍ له تجربة يمكن محاسبته بما له وما عليه، قد يرى بعض الناخبين أن العدالة والتنمية خيار أقل ضرراً مقارنة ببدائل يرون أنها أكثر كلفة أو أقل وضوحاً. وهذا في النهاية تقدير سياسي مشروع، وليس حقيقة مطلقة.
فالانتخابات ليست مسابقة لاختيار من يقول الكلام الأجمل، وإنما امتحان لاختيار من يستطيع المواطن أن يحاسبه غداً على ما قاله اليوم.
وفي المحصلة، يبقى الدرس الأهم من تجربة ابن كيران وحكومته أن الإصلاح الاقتصادي حين يكون مؤلماً لا يكفي أن يكون صحيحاً في دفاتر الحسابات؛ بل يجب أن يكون عادلاً في حياة الناس أيضاً. وهذه ربما إحدى أهم القضايا التي ينبغي أن يحملها الناخب معه إلى صندوق الاقتراع في 23 شتنبر 2026.