الهوية كمجال للصراع: قراءة فلسفية في المواجهة بين الذاكرة والسلطة بالمغرب

0 267

بقلم الأستاذ: حسن تزوضى
في خضم التوترات التي يشهدها الفضاء العمومي المغربي حول قضايا الهوية، تبرز المناوشات بين المؤرخ عبد الخالق كلاب والسياسي محمد أوزين بوصفها أكثر من مجرد خلاف شخصي أو اختلاف في الرأي؛ إنها لحظة تكثيف رمزية لصراع أعمق وأوسع، صراع يتموضع في قلب سؤال الوجود المغربي ذاته، بين الانتماء والتاريخ، بين السياسة والذاكرة، بين السلطة والمعنى. فالظاهر هنا لا ينفصل عن الباطن، والسجال الإعلامي لا يمكن عزله عن الديناميات العميقة التي تحكم بنية الدولة وتمفصلات المجتمع.
إن قراءة هذا الصراع من منظور فلسفي تقتضي تجاوز المظاهر إلى البنية الرمزية التي تؤطره. فليس عبد الخالق كلاب مجرد مؤرخ، بل هو، كما يمكن فهمه مع بول ريكور، فاعل في مجال “الذاكرة والهوية”، يسعى إلى إعادة بناء سردية مضادة، تستعيد المُهمّش وتفكك الرواية الرسمية التي حاكتها السلطة من خلال مؤسساتها، التعليمية والثقافية والدينية. هنا، التاريخ ليس سرداً محايداً، بل هو حقل للصراع الرمزي، حيث يتم إعادة تشكيل الهيمنة لا عبر القمع ، بل عبر تطبيع المعنى، وتوجيه الذاكرة الجمعية نحو ما يخدم سردية الدولة القومية الوطنية المغربية المورية الأمازيغية الممتدة في التاريخ .
أما أوزين، فهو يتموضع داخل لعبة معقدة من التوازنات، بين الانتماء الهوياتي والرهان السياسي. وإذا كانت البراغماتية السياسية تُبرر أحياناً التحول والتنازل، فإن التنازل عن ما هو جوهري في تشكّل الذات الجماعية يتحول إلى نوع من الإنكار، ليس فقط للانتماء، بل أيضاً لمسؤولية المثقف أو السياسي كفاعل في إنتاج المصير الجماعي. من هنا يمكن استحضار ما قاله بيير بورديو حول “ازدواجية الحقل السياسي”: فكل فاعل فيه يخضع لمنطق الحقل نفسه أكثر مما يخضع لقناعاته الشخصية، ويجد نفسه أحياناً مضطراً للتفاوض مع منظومة رمزية لا يُملك زمامها.
لكن السؤال الجوهري الذي يكشفه هذا الصراع هو: من يملك الحق في تأويل الهوية؟ هل هي سلطة الدولة؟ أم المؤرخ؟ أم الجماعة الثقافية نفسها؟ إن ما يكشفه عبد الخالق كلاب من خلال خطابه ليس مجرد مطالب إثنية أو لغوية، بل مساءلة للسلطة الرمزية التي تنظم تمثلاتنا للتاريخ والوطن والانتماء. بهذا المعنى، يصبح الخطاب الأمازيغي، في عمقه، خطاب مقاومة معرفية، يشكك في الأسس الابستيمولوجية التي بُني عليها الوعي الوطني، ويقترح بديلاً تعدديًا لما بعد الدولة القومية المركزية.
الهوية الأمازيغية هنا ليست مجرد تعبير عن انتماء إثني، بل هي مشروع أنطولوجي-ثقافي، يحاول أن يعيد للإنسان المغربي علاقته بجذوره، بلغته، بأرضه، خارج منطق التمثيل الرسمي الذي اختزل المغاربة في صورة واحدة، موحدة، ومهيمنة. فكما بيّن إدوارد سعيد، فإن السيطرة الرمزية تبدأ حينما تُملى على الشعوب طريقة الحديث عن نفسها، وحينما يُمنع الاختلاف من التعبير عن ذاته بلغته الخاصة.
غير أن هذا المشروع يواجه مأزقاً مزدوجاً: من جهة، الممانعة المؤسساتية، التي لا تزال تتعامل مع الاعتراف بالأمازيغية باعتباره “مطلبًا” لا “حقًا”، ومن جهة أخرى، خيانة بعض النخب التي، تحت ذريعة الواقعية السياسية، تتواطأ مع النظام الرمزي السائد لتأبيد هيمنة سردية أحادية للهوية. هذه الخيانة لا تُختزل في النفاق، كما قد يُظن، بل تكشف عن فشل في تجاوز منطق “الرأسمال السياسي” لصالح “الرأسمال الرمزي” الذي يقتضي الدفاع عن الذاكرة بوصفها مجالاً للحق، لا للمساومة.
هنا يظهر الدور الأخلاقي للمؤرخ، بوصفه ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل كاشف للمنسي والمقموع، وفاعل في مقاومة النسيان. التاريخ، إذن، كما يشير والتر بنيامين، ليس سردًا للتقدم، بل لحظات مقاومة تُبعث من جديد، حيث تنبعث ذاكرة المهمّشين لتزعزع وهم الخط المستقيم. في هذا السياق، يصبح عبد الخالق كلاب صوتًا لهذا الاضطراب في الذاكرة، ضد النسق، وضد كل محاولات التأثيث الرمزي التي تُغلف التهميش بغلاف الاعتراف الشكلي.
إن ما يجب التفكير فيه اليوم ليس فقط الاعتراف الدستوري بالأمازيغية، بل تجاوز هذا الاعتراف نحو إرساء تصور جديد للهوية المغربية، بوصفها تعددية، غير مكتملة، منفتحة، ومتفاوض عليها. هوية لا تخضع لمركز ثابت، بل تُمثّل كثافة من الروافد والتجارب واللغات التي لا يمكن اختزالها في سردية قومية ضيقة. وبهذا، فقط، يمكن الحديث عن وطن يتصالح مع نفسه، ومع تعدده، لا وطن يُدار بالتقاسم الرمزي بين القوى المهيمنة.
إن الأزمة التي أفرزها هذا الصراع ليست أزمة أشخاص، بل أزمة معنى، أزمة علاقة مع الذات الجماعية، مع الماضي، مع اللغة، مع المستقبل. إنها لحظة مكاشفة تُحتم علينا إعادة التفكير في مفهوم المواطنة، ليس كمجرد انتماء قانوني، بل كمشاركة رمزية ووجودية في بناء الوطن. من هنا، فإن الدفاع عن الأمازيغية ليس فقط دفاعاً عن ثقافة مهددة، بل هو دفاع عن الحق في الاختلاف، وعن تعددية الحقيقة، وعن القدرة على التذكر كفعل مقاومة ضد كل أشكال المحو والهيمنة.
فهل نحن مستعدون لهذا التمرين الوجودي العسير؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.