“بوانو وملف صفقات الأدوية.. بين تضارب المصالح ومطلب الحقيقة”
تحقيق – إعداد.. محمد النوري / أولى نيوز
في سياق يتزايد فيه النقاش العمومي حول شفافية تدبير الصفقات العمومية بقطاع الصحة، يطفو على السطح مجددًا ملف تراخيص ATU و AMM، وما يرتبط به من استفادة شركات محددة، في مقدمتها شركات ذات صلة بعائلة وزير سابق، أبرزها Pharmaprom والكيانات المتفرعة عنها. هذا الجدل، الذي تحوّل إلى قضية رأي عام، يجد جذوره في وثائق رسمية ومحاضر فتح أظرفة تُظهر انتقالًا سريعًا من صفقات محلية محدودة سنة 2024 إلى صفقات مركزية ضخمة سنة 2025، وهو تطور أثار أسئلة مشروعة حول معايير التعاقد وملاءمة المساطر القانونية.
معطيات حصلت عليها أولى نيوز تفيد بأن شركات مرتبطة بعائلة الوزير المعني حصدت خلال 2025 وحدها صفقات تتجاوز قيمتها عشرات الملايين من الدراهم، بينها صفقات توزيع أدوية أساسية وتجهيزات موجهة لبرامج وطنية. الوثائق نفسها تُظهر تغييرات في البنية الإدارية لهذه الشركات عقب التعيين الحكومي، تمثلت في تنازل عن مناصب إدارية وهبات أسهم لفائدة أفراد من العائلة، وهي معطيات لا تكفي لإثبات إخلال قانوني، لكنها تضع علامة استفهام عريضة حول مدى احترام قواعد منع تضارب المصالح.
وزارة الصحة سارعت إلى نفي وجود أي تجاوزات، مؤكدة في بلاغاتها أن جميع الصفقات أُنجزت وفق المساطر القانونية وطلبات العروض المفتوحة، وأن منح تراخيص ATU لا يترتب عنه أي امتياز في الصفقات العمومية. ورغم ذلك، ظل الرأي العام يتفاعل مع ما كشفه النواب البرلمانيون، وفي مقدمتهم عبد الله بوانو، الذي دعا إلى نشر لوائح المستفيدين، وفتح تحقيق برلماني للتأكد من سلامة الإجراءات. غير أن ما بين البلاغات الرسمية والمطالب البرلمانية ما زالت الوقائع معلّقة بين روايتين، وتبقى الحقيقة رهينة كشف وثائق محاسبية وإدارية مفصلة.
من زاوية صحفية، لا يتعلق الأمر بالإدانة أو تبرئة أي طرف، بقدر ما يتعلق بمبدأ أساسي في الحكامة: حين ترتفع قيمة الصفقات وتتكرر استفادة نفس الجهة، يصبح من حق المجتمع أن يعرف كيف تمّت المساطر، ومن هم المستفيدون الفعليون، وهل تم احترام قواعد المنافسة وتكافؤ الفرص. فالقطاع الصحي، بما يمثله من ارتباط مباشر بحياة المواطنين، لا يحتمل الظلال، ولا يستقيم تدبيره إلا تحت ضوء الشفافية الكاملة.
اليوم، ومع تعالي الأصوات المطالِبة بلجنة لتقصي الحقائق، يصبح من الضروري فتح الباب أمام تحقيق مهني ومؤسساتي يكشف المعطيات دون تهويل أو تبخيس. فالحقيقة وحدها هي التي تُنهي الجدل، وتحفظ ثقة المواطنين في مؤسساتهم، وتعيد الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص في الصفقات العمومية. وفي النهاية، يبقى الوقوف إلى جانب الحق وحماية المال العام واجبًا لا يسقط بالتقادم، وأساسيًا في كل مسار إصلاحي يتطلع إليه المغاربة.