“نريد بروفيسورًا بـ150 درهمًا!.. حين تتحوّل جودة الطب إلى معادلة مستحيلة”
أولى-نيوز.
طبٌّ جيد بثمن زهيد؟ معادلة مستحيلة!
في السنوات الأخيرة، أصبح النقاش حول كلفة الخدمات الطبية يطفو إلى السطح كلما حاول مواطنٌ حجز موعد لدى طبيب. المفارقة تتكرر: الكل يبحث عن “أحسن طبيب”، “أستاذ كبير”، “بروفيسور معروف”، وفي الوقت ذاته ينتظر أن لا يتجاوز ثمن الاستشارة 150 درهمًا. هذه المفارقة، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، تكشف عن إشكالٍ أعمق يرتبط بنظرتنا الجماعية لمهنة الطب، وللجودة التي نطالب بها دون استعداد لتحمّل كلفتها.
الحقيقة التي قد تغيب عن الكثيرين أن الخبرة الطبية لا تُختزل في لقبٍ أكاديمي أو عدد سنوات العمل؛ فهي علم متجدد، تدريب مستمر، مسؤولية قانونية وأخلاقية، ومواكبة يومية لآخر ما يصدر من بروتوكولات علاجية في العالم. الطبيب الذي يضمن للمريض تشخيصًا دقيقًا وعلاجًا آمِنًا هو في الواقع مستثمرٌ في تكوينه، في وقته، وفي أدواته.
وفي خلفية كل عيادة، مهما كانت بسيطة، توجد منظومة كاملة تشتغل بصمت: تجهيزات طبية باهظة، مواد تعقيم، أجهزة مراقبة وتدبير، مساعدين، أعباء تشغيل، ضرائب، تأمينات مهنية، ومسؤوليات قد تمتد لسنوات. هذه العناصر ليست تفاصيل، بل أساسيات تضمن للمريض جودة وسلامة لا يمكن توفيرهما بثمن رمزي.
وعندما نطالب الطبيب بأن يكون الأفضل والأرخص في الآن ذاته، فنحن نطالبه بما لا يطلبه العقل ولا الواقع. الجودة، في أي قطاع، لها ثمن. والطب ليس استثناء.
احترام المهنة لا يكون بمنح الألقاب، بل بوعيٍ جماعي بأن الطبيب ليس ترفًا في المجتمع، بل ضرورة. وإذا كنا نطمح إلى طبٍّ جيد في بلادنا، فالأولى أن ندرك أن الجودة تبدأ من تقدير أصحاب الياقات البيضاء، وتثمين جهودهم، ودعم ممارستهم المهنية، بدل حصرها في مقاربة “أرخص ثمن”.
بين رغبتنا في أفضل علاج، وسعينا لتقليص التكلفة، يظل السؤال مطروحًا: هل نحن مستعدون لدفع ما يستحقه الطب الجيد في المغرب؟ أم سنظل نبحث عن “الأفضل” بثمن “الأرخص” وننتظر نتيجة مختلفة.