بداية موسم سياسي ساخن… رياح الانتخابات تشعل “دكاكين” الأحزاب من جديد

0 326

أولى-نيوز.
تحقيق موسّع – بقلم: محمد النوري

مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يشهد المغرب عودة محمومة لنشاط حزبي كان غائباً ـ أو مُغيَّباً ـ لسنوات، في ظاهرة يصفها جزء واسع من المواطنين بأنها “عودة الدكاكين السياسية إلى الواجهة”. تحقيق أولى-نيوز يرصد ملامح هذا الحراك، خلفياته، وحجم الهوّة التي باتت تفصل بين الأحزاب والشارع، في وقت تتصاعد فيه الأسئلة حول صدق النوايا واستمرارية العمل السياسي خارج مواسم الاقتراع.

في عدد من العمالات والأقاليم، لاحظت الجريدة خلال جولة ميدانية بدء تجهيز مقرات حزبية مغلقة منذ سنوات. عُمال ينظفون الواجهات، وأعضاء محليون يعودون إلى الكراسي المغبرة، وملصقات تُطبع على عجل. المشهد نفسه يتكرر: المقرات كانت خامدة منذ آخر انتخابات، لكن صفارات موسم 2026 أعادت إحياءها.

يقول أحد سكان ضواحي تنغير، وهو يتابع هذه التحركات..
«هاد المقرات ما كنتش كنعرف أصلاً بأنها ديال الأحزاب… ما كيبانوش حتى تقرب الانتخابات!».

هذه الشهادة تترجم حالة وعي جديدة لدى المواطن، الذي بات يرى في ظهور المقرات في هذا التوقيت “موسمية انتخابية” أكثر منها نشاطاً سياسياً دائماً.

تؤكد مصادر داخل ثلاثة أحزاب كبرى تحدّثت للجريدة أن سباق التزكيات بدأ مبكراً هذه الدورة. اجتماعات مغلقة، تحركات في الخلفية، ومفاوضات تجرى بعيداً عن أعين القواعد. مصادر من إحدى الجهات تحدثت عن “معارك صامتة” بين قيادات محلية وإقليمية، تُدار بمنطق الولاءات لا برامج العمل.

معطيات التحقيق تكشف..
• بعض الوجوه التي فازت في انتخابات 2021 تواجه رفضاً داخلياً لإعادة ترشيحها.
• شخصيات غير معروفة بدأت تحشد شبكات دعم قبل الإعلان الرسمي عن لوائح الأحزاب.
• جهات حزبية محلية تشكو “تحكماً من المركز” في التزكيات المقبلة.

خبير في علم الاجتماع السياسي أكد لـ أولى-نيوز:
«الصراع على التزكيات أصبح أهم من النقاش على البرامج… وهذا دليل على أزمة بنيوية داخل الأحزاب».

في كل لقاء حزبي صادفته الجريدة خلال هذا التحقيق، لم تُسجل أي إشارة إلى برامج تفصيلية، ولا إلى تقييم فعلي لأداء المنتخبين السابقين. الخطابات التي يتم إعدادها اليوم شبيهة بتلك التي تُطرح قبيل كل انتخابات.. وعود جديدة، تعابير إنشائية، وتطمينات بلا آليات.

واقع يفرض الأسئلة التالية..
• لماذا لا تُقدّم الأحزاب حصيلة دورية سنوية بين الانتخابات؟
• أين هي الملفات التي وعدت الأحزاب بحلها قبل انتخابات 2021؟
• لماذا يظل النقاش السياسي في المغرب رهين “اللحظة الانتخابية” فقط؟

المواطنون الذين تحدثت إليهم الجريدة يرون أن المشكلة ليست في البرامج بحد ذاتها، بل في غياب تنفيذها، وفي “إعادة تدوير” نفس الشعارات كل دورة انتخابية وأجاز مواطن هذا في عبارة بلغة المستعمر البرامج كلها مجرد أوراق (copie-coller).

أظهر رصد أولى-نيوز أن نسبة مهمة من الشباب تُبدي عزوفاً عن متابعة الشأن الحزبي، ليس بسبب اللامبالاة، بل بسبب فقدان الثقة. تعليقات متكررة تؤكد هذا الانطباع..
«السياسة ما ولاتش كتخدم المواطن… ولات كتخدم اللي داخلين فيها».

ويشير محللون سياسيون إلى أن استمرار هذا الاستخفاف بالزمن السياسي يدفع المواطنين نحو خيارين:
1. الانسحاب من العملية الانتخابية.
2. أو التصويت العقابي ضد أحزاب بعينها.

كلا الخيارين يهدد التوازن السياسي ويُضعف المشاركة والمؤسسات.

تجمع آراء الخبراء الذين تواصلت معهم الجريدة على أن انتخابات 2026 قد تشهد مفاجآت بسبب تحولات المزاج العام. حيث يبدو أن المواطنين باتوا يتجهون نحو تقييم الأحزاب على أساس حضورها ما بين الدورتين، وليس فقط خلال الحملة الانتخابية.
كما أن بروز مبادرات شبابية مستقلة قد يغيّر جزءاً من قواعد اللعبة، شريطة توفر الدعم القانوني والمالي والتنظيمي.

ما تشهده الساحة اليوم ليس مجرد “صحوة انتخابية”، بل هو انعكاس لأزمة ثقة داخلية تضرب العمق الحزبي. فالأحزاب التي تفتح مقراتها أيام الانتخابات فقط، وتتنازع حول التزكيات في الخفاء، وتكرر نفس الخطاب دون تجديد أو التزام، تُسهم في تآكل المشاركة الشعبية وتراجع الدور الحيوي الذي يفترض أن تلعبه المؤسسات السياسية.

وعلى أبواب 2026، يبقى السؤال المركزي.. هل تملك الأحزاب الإرادة السياسية لتغيير طرق اشتغالها؟ أم أن المواطن سيواجه السيناريو الانتخابي نفسه مرة أخرى؟

أولى-نيوز ستواصل متابعة هذا الملف خلال الأشهر المقبلة، عبر تحقيقات ميدانية إضافية، ورصد معمق لما يجري في الكواليس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.