“خبر عدم ترشح عزيز أخنوش.. بين حقيقة القرار وسردية التضليل”
أولى-نيوز.
إعداد.. محمد النوري.
في مشهد سياسي باتت تتحكم فيه سرعة النشر أكثر مما تحكمه دقة المعلومة، عاد اسم عزيز أخنوش ليتصدر واجهة التداول الرقمي، عقب انتشار منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم إعلانه عدم الترشح لولاية جديدة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، مرفوقة بدعوة إلى مؤتمر استثنائي لانتخاب قيادة جديدة. خبر قُدِّم بصيغة “العاجل”، وبحمولة إيحائية توحي بحدوث زلزال سياسي داخل الحزب والأغلبية الحكومية، ما استوجب تفكيك معطياته ووضعها في سياقها الحقيقي.
الثابت، وفق معطيات مؤكدة من مصادر إعلامية مغربية موثوقة، أن عزيز أخنوش عبّر فعليًا عن قراره بعدم الترشح لولاية ثالثة على رأس الحزب، انسجامًا مع النظام الداخلي للتجمع الوطني للأحرار الذي يحدد المسؤولية القيادية في ولايتين متتاليتين. هذا القرار لم يكن وليد لحظة ارتباك أو ضغط سياسي، بل جاء نتيجة مسار تنظيمي واضح سبق تداوله داخل هياكل الحزب، وتمت الإشارة إليه في أكثر من مناسبة إعلامية خلال الأشهر الماضية.
غير أن الصيغة التي جرى بها تسويق الخبر على بعض الصفحات الفيسبوكية، خاصة تلك التي تشتغل بمنطق الإثارة السياسية، قامت بعملية خلط متعمد بين الحزب والدولة، وبين القرار التنظيمي والاستقالة السياسية. فعدم ترشح أخنوش لقيادة الحزب لا يعني، قانونيًا ولا سياسيًا، انسحابه من رئاسة الحكومة أو تخليه عن مهامه التنفيذية، بل يندرج ضمن فصل طبيعي بين المسؤولية الحكومية والقيادة الحزبية، وهي ممارسة معروفة في التجارب السياسية المقارنة.
أما الحديث عن “مؤتمر استثنائي”، فيحتاج بدوره إلى تدقيق. فالمؤتمر المرتقب لا يُفهم باعتباره إجراءً طارئًا فرضته أزمة داخلية أو تصدع تنظيمي، بل هو محطة تنظيمية مقررة لانتخاب قيادة جديدة، في سياق انتقال داخلي هادئ، يهدف إلى تجديد النخب وضمان استمرارية الحزب وفق قواعده المؤطرة. استخدام وصف “الاستثنائي” هنا جاء محمّلًا بدلالات سياسية مضللة أكثر منه توصيفًا دقيقًا للمسار التنظيمي.
ما تكشفه هذه الواقعة، في عمقها، ليس فقط حدود الخبر المتداول، بل أيضًا آليات اشتغال التضليل الرقمي، حيث يُعاد إنتاج المعلومة الصحيحة بعد نزعها من سياقها، وإعادة تركيبها داخل سردية توحي بالأزمة والانقسام. وهو أسلوب بات شائعًا في التعاطي مع الشأن السياسي، خاصة حين يتعلق الأمر بأسماء وازنة أو باستحقاقات حساسة.
خلاصة القول، إن قرار عزيز أخنوش بعدم الترشح لولاية جديدة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار هو قرار حقيقي، لكنه لا يحمل أي أبعاد دراماتيكية كما جرى الترويج له. لا استقالة، ولا انهيار داخل الحزب، ولا تغيير وشيك في هندسة الحكومة، بل انتقال تنظيمي محسوب، يعكس احترام القواعد الداخلية أكثر مما يعكس ارتباكًا سياسيًا.
وفي زمن تتكاثر فيه “الأخبار العاجلة” بلا تدقيق، تظل مسؤولية الإعلام الجاد هي إعادة الاعتبار للسياق، والتمييز بين الحدث كما هو، والحدث كما يُراد له أن يُفهم.