“ملف “سامير” يعود إلى الواجهة.. رفض عرض استثماري جديد يثير تساؤلات حول مستقبل الأمن الطاقي بالمغرب”
إعداد.. أولى نيوز.
المغاربة .. استعدوا لزيادات خيالية في سعر البنزين.
الدار البيضاء – في تطور جديد يعيد ملف المصفاة الوطنية إلى دائرة الجدل، قررت المحكمة التجارية بالدار البيضاء، قبل يومين، رفض عرض استثماري إماراتي بلغت قيمته نحو 3.5 مليار دولار، كان يستهدف اقتناء أصول شركة سامير وإعادة تشغيل مصفاة المحمدية. وأرجعت المحكمة قرارها إلى عدم استيفاء العرض لشروط أساسية تتعلق بالوثائق والضمانات القانونية والمالية.
ويُعد هذا العرض الأربعين من نوعه الذي يتم رفضه منذ دخول الشركة مرحلة التصفية القضائية سنة 2016، وهو ما يعكس تعقيدات قانونية ومؤسساتية مستمرة تعرقل إيجاد حل نهائي لواحد من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية في البلاد.
تشير معطيات قطاعية إلى أن مصفاة سامير، خلال فترة نشاطها، كانت تؤمن ما يقارب 64 في المائة من حاجيات السوق الوطنية من المواد البترولية المكررة، مع قدرة تخزين تغطي حوالي 74 يوماً من الاستهلاك، وهو ما كان يشكل آلية مهمة لتعزيز الأمن الطاقي والحد من تقلبات الأسعار. كما كان تشغيلها يساهم في تقليص كلفة الاستيراد وتحقيق وفورات سنوية مهمة للمستهلك والاقتصاد الوطني.
غير أن استمرار التوقف، إلى جانب غياب رؤية واضحة لإعادة الاستثمار أو إعادة الهيكلة، جعل المنشأة عرضة للتدهور التقني التدريجي، وسط تحذيرات متزايدة من فقدان قيمتها الصناعية مع مرور الوقت.
طوال السنوات الماضية، طُرحت عدة سيناريوهات لإنقاذ المصفاة، من بينها اقتناؤها من طرف الدولة، أو تفويتها لمستثمر استراتيجي، أو تدبيرها في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، على غرار نماذج معمول بها في قطاعات حيوية أخرى. غير أن أياً من هذه الخيارات لم يصل إلى مرحلة التنفيذ، في ظل تداخل الاعتبارات القانونية والمالية والاستراتيجية.
في المقابل، يشتكي عدد من المهتمين بالملف من محدودية المعطيات التقنية والتنظيمية المتاحة للمستثمرين المحتملين، سواء المتعلقة بالتوجهات المستقبلية للدولة في قطاع التكرير، أو بالمواصفات التقنية للمنتجات البترولية، أو بالجوانب التعميرية المرتبطة بالموقع الصناعي.
يأتي استمرار تعثر ملف سامير في ظرفية دولية تتسم باضطرابات متزايدة في أسواق الطاقة. فالتوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، خاصة ما يتعلق بحركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط العالمية، تثير مخاوف من اضطرابات محتملة في الإمدادات وارتفاعات جديدة في الأسعار.
ورغم إعلان تحالف “أوبك+” عن استعداده لزيادة الإنتاج عند الضرورة، فإن التجارب السابقة أظهرت أن الأسواق تتفاعل بسرعة مع أي تهديد لسلاسل التوريد، ما ينعكس مباشرة على أسعار الوقود في الدول المستوردة، ومن بينها المغرب الذي يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد.
في حال تسجيل ارتفاعات جديدة في أسعار النفط العالمية، يتوقع أن تنعكس بشكل مباشر على أسعار البنزين والغازوال، مع ما يرافق ذلك من تأثيرات متسلسلة على كلفة النقل والإنتاج وأسعار المواد الاستهلاكية. ويثير هذا السيناريو مخاوف من تكرار موجة الغلاء التي شهدتها سنة 2022، في ظل غياب مخزون استراتيجي وطني كبير يمكن أن يمتص الصدمات الخارجية.
يرى خبراء في الطاقة أن ملف سامير لم يعد مجرد قضية تصفية قضائية، بل تحول إلى رهان استراتيجي مرتبط بالأمن الطاقي والسيادة الاقتصادية. وفي ظل تقلبات السوق الدولية وتسارع الأزمات الجيوسياسية، تتزايد الدعوات إلى حسم الرؤية بشأن مستقبل التكرير بالمغرب، سواء عبر إعادة إحياء المنشأة أو تبني نموذج بديل يضمن الحد الأدنى من الاستقلالية في تدبير المخاطر.
وبين قرارات قضائية متتالية، وعروض استثمارية غير مكتملة، وسوق دولية متقلبة، يبقى السؤال قائماً.. هل يتحول ملف سامير إلى فرصة لإعادة بناء سياسة طاقية أكثر مرونة، أم يستمر كأحد أبرز ملفات التعثر الصناعي المفتوحة في البلاد؟