“أيت هاني.. حين يصبح تقوية شبكة الماء جزءاً من معركة الأمن المائي بإقليم تنغير”

0 19

أيت هاني-أولى نيوز.
متابعة.. محمد النوري.

في المناطق الجبلية والواحاتية، لا تختصر معركة الماء في البحث عن بئر جديدة أو تشييد خزان إضافي، بل تبدأ أيضاً من قدرة الشبكة على نقل المياه وتخزينها وتوزيعها بكفاءة، ومن مدى ترابط مختلف مكونات المنظومة المائية مع بعضها البعض. ومن هذه الزاوية يكتسب مشروع تقوية نظام التزويد بالماء الصالح للشرب بجماعة أيت هاني بإقليم تنغير أهمية تتجاوز طابعه التقني المباشر.

المشروع، الذي يحمل رسمياً اسم «أشغال تقوية نظام التزويد بالماء الصالح للشرب بجماعة أيت هاني، إقليم تنغير»، يقوم على ربط وإصلاح الخزان الموجود بمركز أيت هاني بالبئر والخزان المتواجدين بمنطقة توفلي بإيقدمان، بكلفة تقديرية تناهز 594 ألفاً و510 دراهم.

ومن المنتظر أن يتم فتح الأظرفة المتعلقة بالمشروع يوم 20 أكتوبر 2026 على الساعة العاشرة صباحاً بقاعة الاجتماعات بمقر جماعة أيت هاني.

وقد يبدو الرقم، في ظاهره، مجرد كلفة لمشروع من مشاريع البنية التحتية المحلية، غير أن دلالته التنموية ترتبط بالسؤال الأهم: هل تستطيع الجماعات القروية والجبلية الانتقال من تدبير الماء بمنطق التدخلات المتفرقة إلى بناء منظومات مائية مترابطة وقادرة على الصمود أمام سنوات الجفاف والضغط المتزايد على الموارد؟

فالماء في تنغير ليس ملفاً قطاعياً معزولاً عن باقي الملفات. إنه يرتبط بالاستقرار السكاني، والفلاحة، وتربية الماشية، والواحات، والسياحة، والصحة، وحتى بقدرة القرى والمراكز الصاعدة على الاحتفاظ بسكانها. وكل خلل في منظومة التزويد لا ينعكس فقط على الصنبور، وإنما يمكن أن يمتد أثره إلى النشاط الاقتصادي والاجتماعي برمته.

ولهذا فإن ربط خزان مركز أيت هاني بمصدر مائي وخزان آخر بمنطقة توفلي بإيقدمان يمكن قراءته ضمن منطق تنويع مصادر التزويد وتقوية الترابط داخل الشبكة، بدل بقاء كل منشأة مائية تعمل بمعزل عن الأخرى.

لكن نجاح مثل هذه المشاريع لا يقاس فقط بانتهاء الأشغال أو وضع الأنابيب والخزانات في الخدمة. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد ذلك: ما مدى انتظام التزويد؟ وما نسبة ضياع المياه داخل الشبكة؟ وهل تمتلك الجماعة آليات للصيانة والتدخل السريع؟ وهل تتوفر المنشآت على مخزون احتياطي يسمح بمواجهة فترات الذروة والانقطاعات المحتملة؟ ثم، قبل كل ذلك، هل الموارد المائية التي تغذي الشبكة قابلة للاستدامة على المدى المتوسط والبعيد؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً في سياق وطني يتسم بتوالي سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية، وهو ما يجعل الاستثمار في الماء بحاجة إلى مقاربة تتجاوز منطق «حفر بئر وبناء خزان» نحو منظومة متكاملة تبدأ من حماية المورد، مروراً بالتخزين والربط والنقل، وصولاً إلى عقلنة الاستهلاك وتقليص التسربات.

وفي المناطق الواحاتية والجبلية تحديداً، يمكن أن تشكل المشاريع المحلية الصغيرة والمتوسطة لبنات أساسية في هذه المنظومة، شريطة أن تكون مندمجة في رؤية أوسع. فالسدود الصغيرة والمتوسطة، والخزانات، وأحواض تجميع مياه الأمطار، والمنشآت المحلية لتغذية الفرشات، وإصلاح شبكات التوزيع، كلها أدوات يمكن أن تتكامل بدل أن تظل مشاريع منفصلة لا يجمعها تصور مائي موحد.

ومن هنا، فإن مشروع أيت هاني يطرح سؤالاً أكبر من حدود الجماعة نفسها: كيف يمكن لإقليم تنغير أن يحول الاستثمارات المتفرقة في الماء إلى شبكة متكاملة للأمن المائي، قادرة على حماية الساكنة والواحات والأنشطة الاقتصادية في آن واحد؟

فالرهان لم يعد فقط توفير الماء اليوم، وإنما ضمان وجوده غداً.

وفي هذا السياق، فإن تتبع تنفيذ المشروع بعد فتح الأظرفة سيكون مهماً بقدر الإعلان عنه، ليس فقط لمعرفة الشركة التي ستتولى الأشغال أو آجال الإنجاز، وإنما أيضاً لمراقبة جودة التنفيذ، واحترام الكلفة والآجال، ومدى تحقيق المشروع للهدف الذي أُطلق من أجله: ماء أكثر استقراراً، وشبكة أكثر صموداً، ومنظومة مائية أكثر قدرة على مواجهة المستقبل.

وفي النهاية، فإن الأمن المائي في أيت هاني، كما في باقي مناطق إقليم تنغير، لن تصنعه منشأة واحدة، وإنما تراكم مشاريع مترابطة، وحسن تدبير الموارد، وحماية الفرشات والمجالات الواحاتية، وتقليص الهدر، وربط الاستثمار المائي بالتنمية المحلية.

فحين يتعلق الأمر بالماء، فإن كل درهم يستثمر في الشبكة اليوم ينبغي أن يُقاس ليس فقط بما أنجزه من منشآت، وإنما بما سيضمنه من استدامة للأجيال المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.