عدلة من وجدة تحذر: قانون 16.22 يكرّس الإقصاء ويُقوّض الأمن التعاقدي
أولى نيوز — طارق الرعد–وجدة .
أثار مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بمهنة العدول نقاشاً واسعاً داخل الأوساط القانونية والعدلية، خاصة في صفوف العدلات، بالنظر إلى ما يتضمنه من مقتضيات اعتُبرت، من طرف مهنيين، تراجعاً عن مكتسبات دستورية ومهنية راكمتها المهنة في مسارها الإصلاحي. وفي هذا السياق، عبرت العدلة زاوش صابرين، عدلة بالدائرة الاستئنافية بوجدة وباحثة بسلك الدكتوراه في القانون الخاص، عن موقف نقدي واضح من مضامين المشروع، محذرة من انعكاساته على الأمن التعاقدي واستقلالية مهنة التوثيق العدلي.
وأكدت المتحدثة أن التوثيق العدلي يشكل إحدى الدعائم الأساسية لتحقيق الأمن القانوني وحماية الحقوق، باعتباره آلية قانونية وقضائية تساهم في استقرار المعاملات وتحصينها من النزاعات. وأضافت أن أي إصلاح تشريعي يهم المهنة يجب أن ينطلق من تعزيز هذا الدور، لا من تقويضه أو إفراغه من مضمونه.
وفي قراءتها لمشروع القانون 16.22، شددت زاوش صابرين على أن المشروع، رغم تقديمه كامتداد لمسار تحديث منظومة العدالة، يكشف عن تراجعات تشريعية عميقة تمس جوهر المهنة. وأوضحت أن غياب الضمانات الجوهرية للعدول، وعلى رأسها آلية حساب الودائع بصندوق الإيداع والتدبير (CDG)، يجعل الحديث عن إصلاح حقيقي أمراً غير ذي جدوى، باعتبار هذه الآلية ركيزة أساسية لتكريس الأمن التعاقدي وحماية حقوق المتعاقدين.
وفي ما يخص المساطر المهنية، انتقدت العدلة زاوش صابرين توجه المشروع نحو تعقيد شروط التلقي واللفيف، بدل تبسيطها وتحديثها. وأبرزت أنه كان من المنتظر تقليص عدد الشهود وإدراج المرأة كشاهد كامل الأهلية، انسجاماً مع التطورات القانونية والاجتماعية، غير أن المشروع لم يستجب لهذا المطلب، بل أضاف مزيداً من التعقيد، في تعارض مع التجارب المقارنة التي تسعى إلى التيسير والفعالية.
وحول تقديم المشروع كخطوة داعمة للمرأة، اعتبرت المتحدثة أن هذا الطرح غير دقيق، موضحة أن ولوج المرأة لمهنة التوثيق العدلي تحقق منذ سنة 2018 بتوجيهات ملكية سامية، وأن قانون خطة العدالة لم يمنع المرأة يوماً من ممارسة هذه المهنة، بل ساوى بين جميع المترشحين وفق الشروط القانونية. واعتبرت أن تسويق المشروع كإنجاز لفائدة المرأة العدل يشكل “ركوباً على ملف المرأة”، في حين أن مضامينه العملية تحمل في طياتها أشكالاً متعددة من الإقصاء.
وفي هذا الإطار، عبرت زاوش صابرين عن رفضها لرفع سن الترشح لمراكز القرار داخل الهيئات المهنية، معتبرة أن هذا التوجه يشكل إقصاءً ممنهجاً للمرأة العدل ويتعارض مع مبدأ المناصفة وتكافؤ الفرص. كما سجلت بأسف تغييب العدلات عن لجنة الحوار وعدم إشراكهن في النقاش العمومي حول مواد المشروع، معتبرة أن ذلك يفرغ المقاربة التشاركية من محتواها.
كما انتقدت العدلة زاوش صابرين ما وصفته بـ“اللغة الزجرية” التي يتبناها مشروع القانون، معتبرة أنه يفتقر إلى روح المهنية، ويركز على العقوبات دون توفير ضمانات حقيقية لحماية ممارسي مهنة التوثيق العدلي. وأكدت أن الإصلاح التشريعي لا يمكن أن يقوم على منطق الزجر، بل يجب أن يؤسس لرؤية مهنية شمولية تعزز الاستقلالية والمسؤولية والجودة.
وفي ما يتعلق بالاختصاصات، حذرت المتحدثة من توجه المشروع نحو تضييق اختصاصات العدول، سواء من حيث الامتداد الترابي أو طبيعة التصرفات القانونية الموكولة إليهم، معتبرة أن ذلك يطرح إشكالات عملية وقانونية تمس بدور التوثيق العدلي في تحقيق الأمن التعاقدي. ودعت إلى توسيع اختصاصات العدول لتشمل كافة تراب المملكة، خصوصاً في مجال العقارات بجميع أنواعها، مع تمكينهم من مهام توثيقية وإدارية شاملة دون قيود جهوية أو محلية ضيقة.
وفي ختام تصريحها، أكدت العدلة زاوش صابرين أن مشروع القانون 16.22 لا يمكن القبول به بصيغته الحالية، داعية إلى مراجعته بما يضمن انسجامه مع مقتضيات الدستور والعدالة التشريعية ومتطلبات تحديث المهنة. كما وجهت نداءً إلى كافة السيدات والسادة العدول لتحمل مسؤوليتهم التاريخية في الدفاع عن كرامة المهنة، والاستعداد لخوض كل الأشكال القانونية المشروعة لحمايتها من أي تشريع يكرس الإقصاء ويحرم العدول من نفس الحقوق والامتيازات التي تتمتع بها باقي المهن التوثيقية .