“جامعة الرشيدية بين رسالة المعرفة وشبهة التوظيف السياسي.. عندما يصبح الطالب وقوداً في معارك الأحزاب”

0 39

الرشيدية- أولى نيوز.

عادت جامعة الرشيدية إلى واجهة النقاش العمومي على خلفية معطيات متداولة تثير أكثر من علامة استفهام حول طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع المؤسسة الجامعية بالفاعلين السياسيين، بعدما انتشرت وثائق وشهادات تتحدث عن مشاركة طلبة بسلك الماستر في نشاط ذي حمولة حزبية، في ظروف يصفها متابعون بأنها تستوجب التوضيح وترتيب المسؤوليات.

ففي الوقت الذي يفترض أن تظل الجامعة فضاءً مستقلاً لإنتاج المعرفة وتكوين الكفاءات بعيداً عن كل أشكال الاستقطاب، تفجرت اتهامات تتعلق بتوجيه طلبة نحو حضور لقاء نظمته شبكة الأساتذة الجامعيين التابعة لحزب التجمع الوطني للأحرار بجهة درعة تافيلالت، وهو النشاط الذي خُصص لمناقشة موضوع الجاذبية الترابية والسياسات العمومية بالجهة.

غير أن الجدل لم ينشأ من مضمون الندوة في حد ذاته، بقدر ما ارتبط بما راج من معطيات تفيد بأن بعض الطلبة وجدوا أنفسهم أمام ما يشبه “واجباً أكاديمياً” مرتبطاً بحضور النشاط، مع مطالبتهم بإنجاز تقارير حول مداخلات شخصيات سياسية مشاركة فيه. وهي معطيات، إن ثبتت صحتها، فإنها تطرح إشكالاً عميقاً يتجاوز حدود النشاط الظرفي ليصل إلى جوهر استقلالية المؤسسة الجامعية وحدود استعمال السلطة البيداغوجية داخل الفضاء الأكاديمي.

وتزداد حساسية القضية مع ما تم تداوله بشأن ربط الحضور والتفاعل بنتائج التقييم والمراقبة المستمرة، وهو ما يعتبره عدد من المتابعين مساساً بمبدأ تكافؤ الفرص وحرية الاختيار الفكري والسياسي للطلبة، الذين يفترض أن يكونوا أحراراً في تحديد مواقفهم وقناعاتهم بعيداً عن أي تأثير قد يرتبط بمسارهم الدراسي أو مستقبلهم الأكاديمي.

الجامعة المغربية، التي ناضلت أجيال من الأساتذة والباحثين والطلبة من أجل تحصينها من كل أشكال الوصاية، ليست قاعة انتخابية موسمية ولا فضاءً لتسويق الخطابات الحزبية، مهما كانت الجهة المنظمة أو لونها السياسي. فالمؤسسة الجامعية تكتسب مشروعيتها من استقلالها ومن قدرتها على احتضان جميع الأفكار دون أن تتحول إلى أداة لخدمة أي مشروع سياسي أو انتخابي.

وقد زاد من حدة النقاش تداول مقطع فيديو للأمين الإقليمي السابق لحزب العدالة والتنمية، يوسف الشيبي، الذي وجه انتقادات مباشرة لما وصفه بمظاهر استغلال النفوذ الأكاديمي لخدمة أجندات سياسية، معتبراً أن ما يروج بشأن الواقعة يثير مخاوف حقيقية حول مستقبل الحياد الجامعي ومكانة الطالب داخل المنظومة التعليمية.

وفي غياب توضيحات رسمية من الجهات المعنية، تبقى الأسئلة معلقة أكثر من الأجوبة: هل يتعلق الأمر فعلاً بنشاط أكاديمي عادي أسيء فهمه وتأويله؟ أم أن الجامعة أصبحت ساحة جديدة للتنافس الحزبي واستقطاب الأتباع تحت غطاء التأطير العلمي؟ ومن يحمي الطالب عندما تتقاطع سلطة التقييم الأكاديمي مع الحسابات السياسية؟

إن الرأي العام الجامعي اليوم لا ينتظر سجالاً سياسياً جديداً، بقدر ما ينتظر كشف الحقيقة كاملة. فالجامعة التي يفترض أن تصنع النخب وتؤسس لثقافة النقد والاستقلالية، مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالحفاظ على مسافة واحدة من الجميع، لأن أول خسارة قد تنتج عن تسييس المدرجات والقاعات ليست خسارة حزب أو تيار، بل خسارة الثقة في مؤسسة يفترض أن تكون معبداً للعلم لا ساحةً للاستقطاب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.