“عبد الله باها.. حين يرحل الرجال وتبقى المواقف شاهدة على الزمن”

0 29

عبد الله باها-أولى نيوز.

في تاريخ الأمم رجال لا تُقاس قيمتهم بعدد المناصب التي تقلدوها، بل بما تركوه من أثر في الحياة العامة، وبما حملوه من مبادئ وهم يتنقلون بين دهاليز السياسة وتعقيداتها. ومن بين هؤلاء، يظل اسم عبد الله باها حاضرًا في الذاكرة السياسية المغربية باعتباره أحد الوجوه التي ارتبطت بالرصانة، والهدوء، والعمل بعيدًا عن الأضواء.

لم يكن باها من السياسيين الذين يفضلون صناعة الضجيج الإعلامي، ولا من الباحثين عن الشعبية عبر الخطابات الحماسية. بل اختار أن يجعل من الحوار، والتعقل، والإنصات أدواته في تدبير الاختلاف، ومن الحكمة منهجًا في ممارسة المسؤولية. لذلك، اكتسب احترام خصومه قبل حلفائه، وأصبح نموذجًا لسياسي آمن بأن خدمة الوطن مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون موقعًا أو سلطة.

في زمن تتسارع فيه التحولات وتتغير فيه المواقف بتغير المصالح، ظل اسم عبد الله باها مرتبطًا لدى كثيرين بصورة رجل الدولة الذي مارس السياسة باعتبارها رسالة لخدمة الصالح العام، لا وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية. ولهذا، لم يكن حضوره في المشهد السياسي صاخبًا، لكنه كان مؤثرًا، وترك بصمته في محطات مفصلية من الحياة السياسية المغربية.

وجاء رحيله المفاجئ في السابع من ديسمبر سنة 2014، إثر حادث قطار بمنطقة بوزنيقة، ليشكل صدمة كبيرة داخل الأوساط السياسية والشعبية. فقد فقد المغرب آنذاك شخصية كانت تمثل، بالنسبة لكثير من المتابعين، صوت الحكمة والاعتدال، ورجلًا عُرف بتواضعه وقربه من الناس، بعيدًا عن مظاهر الاستعراض السياسي.

إن الحديث عن عبد الله باها اليوم ليس استحضارًا لاسم سياسي راحل فحسب، بل هو استدعاء لقيم أصبحت المجتمعات في أمسّ الحاجة إليها؛ قيم الصدق، ونظافة اليد، واحترام الاختلاف، والإيمان بأن السياسة يمكن أن تكون فضاءً لخدمة الإنسان، لا ساحةً للصراع على الامتيازات.

رحم الله عبد الله باها رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه لوطنه في ميزان حسناته، فتبقى الأسماء الكبيرة حية بما تركته من أثر، وتظل المواقف الصادقة عصية على النسيان مهما تعاقبت السنوات.
إعداد.. محمد النوري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.