“بين صناعة الانطباع وصناعة الشرعية… لماذا لا ينبغي استباق إرادة الناخب؟”

0 19

عمالة تنغير-أولى نيوز .

في العمل السياسي، ليس المطلوب من المرشح أن يكون كثير الظهور، كما أن العمل في هدوء قد يكون أسلوبًا مشروعًا إذا كانت نتائجه ملموسة. غير أن الصمت، عندما يتحول إلى غياب عن النقاش العمومي، أو إلى ندرة في التواصل مع المواطنين، يصبح بدوره موضوعًا للنقاش والتقييم، لأن السياسة تقوم أساسًا على التواصل والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي الآونة الأخيرة، برزت محاولات لتقديم بعض الوجوه السياسية باعتبارها مشاريع “فوز محسوم” قبل أشهر من موعد الاقتراع، وكأن الطريق إلى المؤسسة التشريعية قد عُبد مسبقًا، أو كأن إرادة الناخب أصبحت مجرد إجراء شكلي لا أكثر.

هذا النوع من الخطاب، سواء صدر بشكل مباشر أو جرى الترويج له في محيط المرشح، لا يخدم الديمقراطية، بل يبعث برسالة سلبية إلى الرأي العام، مفادها أن نتائج الانتخابات أصبحت معروفة قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع. والحال أن الانتخابات في دولة المؤسسات لا يصنعها منسق حزبي، ولا يقررها مسؤول تنظيمي، ولا تُحسم داخل الاجتماعات المغلقة، وإنما يقررها المواطن بحرية، في إطار القانون، وتحت إشراف المؤسسات المختصة.

إن أي مسؤول حزبي، مهما كانت مكانته داخل تنظيمه، لا يملك سلطة منح مقعد برلماني، ولا يملك حق تقديم الفوز باعتباره حقيقة واقعة قبل أن ينطق الناخب بحكمه. فالتنظيم الحزبي يرشح، أما الشعب فهو الذي يختار.

وفي خضم هذا المشهد، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: أين هي الحصيلة؟ فإذا كان المرشح يشغل اليوم مسؤولية انتدابية، فمن حق المواطنين أن يطلعوا على ما تحقق خلال فترة انتدابه، وأن يقيموا أداءه استنادًا إلى الوقائع لا إلى الانطباعات. فالتدرج في المسؤوليات لا يُبنى على التوقعات، وإنما على سجل من المبادرات والمواقف والإنجازات.

لقد تغير المزاج العام للمغاربة. فلم يعد يكفي أن يُوصف المرشح بأنه طيب، أو متواضع، أو قريب من الناس، لأن هذه الصفات، على أهميتها، لا تعوض القدرة على الترافع، ولا الجرأة في الدفاع عن المصالح المحلية، ولا الحضور داخل المؤسسات حين تُطرح الملفات الكبرى.

كما أن الناخب لم يعد يفصل بين الشخص والحزب الذي يمثله. فالانتماء السياسي ليس مجرد شعار انتخابي، بل هو مسؤولية جماعية، يتحمل الحزب تبعاتها كما يتحملها مرشحوه. ولذلك، فإن أي محاولة لتقديم المرشح بمعزل عن السياق السياسي الذي ينتمي إليه قد تصطدم بذاكرة انتخابية راكمت الكثير من الأسئلة والانتقادات.

إن الديمقراطية لا تحتاج إلى صناعة “المرشح الذي لا يُهزم”، بقدر ما تحتاج إلى تكريس مبدأ تكافؤ الفرص، واحترام ذكاء الناخب، والابتعاد عن كل خطاب قد يوحي بأن النتائج قد رُسمت قبل أوانها. فمثل هذه الرسائل، حتى وإن جاءت على سبيل الثقة المفرطة أو الحماس الحزبي، قد تضعف ثقة المواطنين في العملية الانتخابية، وتسيء إلى صورة التنافس الديمقراطي.

وفي النهاية، فإن المقعد البرلماني لا يُمنح بالانطباعات، ولا بالتوقعات، ولا بالرغبات، بل بصوت المواطن وحده. وكل حديث يستبق هذا الحكم يبقى مجرد قراءة سياسية قابلة للصواب والخطأ، لا حقيقة ثابتة. أما الفيصل، فسيظل دائمًا صندوق الاقتراع، لأنه وحده صاحب الكلمة الأخيرة في أي نظام ديمقراطي يحترم إرادة المواطنين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.