“الجزائر تستثمر في عقول مهاجريها… والمغرب ما زال أسير ثقافة الصورة”

0 22

في خطوة تحمل الكثير من الدلالات السياسية والاستراتيجية، أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، Abdelmadjid Tebboune، عن إحداث مجلس أعلى للكفاءات العلمية الجزائرية بالخارج، في مبادرة تروم ربط جسور التواصل مع آلاف الباحثين والخبراء والأكاديميين المنتشرين عبر مختلف دول العالم، وتحويل الرأسمال البشري المهاجر إلى قوة اقتراح وإنتاج ومساهمة في التنمية الوطنية.

القرار الجزائري لم يأت من فراغ، بل يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية “هجرة العقول المعاكسة”، أي استثمار خبرات المهاجرين بدل الاكتفاء بالنظر إليهم كمجرد مصدر للتحويلات المالية أو واجهة بروتوكولية في المناسبات الرسمية. فالدول التي تبحث عن مكان لها في عالم المعرفة لم تعد تقيس قوتها بما تختزنه الأرض فقط، بل بما تملكه من عقول قادرة على الابتكار والتأثير.

ومن المفارقات التي تستحق التوقف عندها، أن فكرة شبكات الكفاءات المهاجرة ظلت لسنوات مطروحة داخل الأوساط المغربية المهتمة بقضايا الجالية، وجرى تداولها في لقاءات ونقاشات عديدة بين فاعلين وإعلاميين وأكاديميين. غير أن ما يثير الانتباه هو أن أفكاراً من هذا النوع تجد أحياناً طريقها إلى التنفيذ خارج الحدود أكثر مما تجدها داخل الوطن الذي ولدت فيه.

ففي الوقت الذي تتحول فيه المقترحات إلى مؤسسات وهياكل وآليات اشتغال لدى الجيران، ما تزال العديد من المبادرات المغربية حبيسة الندوات والصور التذكارية والبلاغات الإنشائية التي تستهلك الكثير من الحبر والقليل من النتائج. وبينما تتحرك دول لاستقطاب خبرائها وعلمائها أينما وجدوا، ينشغل بعض الفاعلين لدينا بمعارك الزعامة الافتراضية، وتضخم الأنا، والتسابق نحو الأضواء أكثر من التسابق نحو الإنجاز.

المشكلة ليست في غياب الكفاءات المغربية بالخارج، فهذه الكفاءات موجودة في كبريات الجامعات ومراكز البحث والشركات العالمية، بل في غياب رؤية مؤسساتية قادرة على تجميعها ضمن مشروع وطني واضح المعالم والأهداف. فالعقل المغربي الذي يبدع في باريس ومونتريال وبروكسيل ولندن لا يحتاج إلى خطابات احتفالية بقدر ما يحتاج إلى قنوات حقيقية للمساهمة ونقل الخبرة والتأثير في السياسات العمومية.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في تعبئة طاقات جالياتها لم تفعل ذلك عبر المناسبات الموسمية أو الشعارات الرنانة، بل عبر مؤسسات دائمة وصلاحيات واضحة وبرامج قابلة للقياس والتقييم. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ماذا فعلت الجزائر، بل لماذا ما زلنا نحن نكرر النقاشات نفسها منذ سنوات دون أن تتحول إلى مشاريع ملموسة؟

إن الرهان الحقيقي لم يعد في استعراض الأسماء أو التقاط الصور الجماعية أو التنافس على مواقع الواجهة، بل في بناء منظومة وطنية تجعل من الكفاءة قيمة ومن الخبرة رأسمالاً ومن الجالية شريكاً فعلياً في التنمية. أما الاستمرار في إنتاج الضجيج دون أثر، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من هدر الفرص، بينما يواصل الآخرون تحويل الأفكار إلى مؤسسات والاقتراحات إلى قرارات.

إعداد.. محمد النوري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.