“بين الورقة البيضاء والورقة الملغاة.. حين تتحول المسطرة البرلمانية إلى رسالة سياسية”
إعداد.. محمد النوري – أولى نيوز
لم تكن اللقطة التي ظهر فيها النائب عمر محمود بنجلون، عن تحالف اليسار، وهو يرفع صوته مطالباً بنقطة نظام خلال جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب، مجرد مشهد عابر في افتتاح الولاية التشريعية الجديدة، بل تحولت إلى مادة للنقاش والتأويل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تساءل متابعون عن خلفيات هذا الاحتجاج، وما إذا كان الأمر يتعلق باعتراض إجرائي أم برسالة سياسية أراد التحالف توجيهها منذ أولى لحظات اشتغال المؤسسة التشريعية.
ولفهم ما جرى، لا بد من وضع الواقعة في سياقها السياسي، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاكتفاء بالصورة التي اختزلت النقاش في رفع الصوت والاحتجاج. فتحالف اليسار، الذي حصل على تسعة مقاعد في انتخابات 23 شتنبر، اختار منذ البداية أن يحافظ على مسافة سياسية من مكونات الأغلبية الحكومية، كما لم يُبدِ استعداداً للانخراط في تنسيق مع حزب العدالة والتنمية، رغم اختلاف موقعه عن موقع الأحزاب التي تقود الأغلبية.
إنه اختيار سياسي يحق للتحالف أن يتبناه، كما يحق لباقي الفرقاء تقييمه ومناقشته، لأن العمل البرلماني لا يقوم على إلزام الجميع بالاصطفاف في الاتجاه نفسه، بل على تعدد المواقف وتباين المرجعيات والبرامج. غير أن الإشكال يبدأ عندما تنتقل هذه الاختيارات من مستوى التعبير السياسي إلى مستوى التدبير الإجرائي، حيث تصبح القواعد المنظمة للمؤسسة هي المرجع الذي ينبغي الاحتكام إليه.
لقد أفرزت نتائج الانتخابات موازين قوى واضحة، وجاءت جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب لتترجم جانباً منها داخل المؤسسة التشريعية. وفي هذه اللحظة، وجد تحالف اليسار نفسه أمام اختيار عملي: إما التصويت لأحد المرشحين، أو اتخاذ موقف لا يمنح صوته لأي منهما. واختيار الامتناع، من حيث دلالته السياسية، يمكن أن يعكس رغبة في عدم الاندراج ضمن حسابات أي من الطرفين، لكنه لا يعني بالضرورة أن هذا الموقف سيظهر في الحصيلة الرسمية بوصفه فئة مستقلة من الأصوات.
وهنا تحديداً تكمن النقطة التي تستحق النقاش بعيداً عن الضجيج: هناك فرق بين الموقف السياسي للنائب، والطريقة القانونية التي تُحتسب بها ورقته داخل عملية الاقتراع.
فالورقة البيضاء ليست بالضرورة مرادفاً للورقة الملغاة في جميع السياقات، كما أن الامتناع عن التصويت بوصفه موقفاً سياسياً لا يتحول تلقائياً إلى خانة مستقلة في محضر النتائج. ويتوقف الأمر على القواعد المنظمة للاقتراع، وطبيعة الورقة، والشروط المحددة لاعتبار الصوت صحيحاً أو إلغائه.
ومن ثم، فإن الحسم في هذه الواقعة لا يكون بالانطباعات أو بالتأويلات المتداولة، وإنما بالرجوع إلى المقتضيات ذات الصلة في النظام الداخلي لمجلس النواب، وإلى محضر الفرز والتسجيل الكامل للجلسة، لمعرفة طبيعة الاعتراض الذي تقدم به النائب، وكيف تعاملت معه رئاسة الجلسة، وما إذا كان هناك إخلال بإجراء منصوص عليه أم خلاف حول كيفية تطبيق القواعد المنظمة للتصويت.
فالنظام الداخلي لمجلس النواب، في إطار الفصل 69 من الدستور، ليس مجرد ترتيب تقني للأشغال، بل هو الإطار الذي ينظم ممارسة المؤسسة لاختصاصاتها، بعد خضوعه لرقابة المحكمة الدستورية. ولذلك، فإن الاحتجاج على إجراء معين ينبغي أن يستند إلى مقتضى محدد، كما أن الرد عليه ينبغي أن يستند إلى المقتضى نفسه، لا إلى حجم الأصوات أو طبيعة الانتماء الحزبي للمعترض.
ومن هذه الزاوية، لا يكفي القول إن لجنة الفرز لا تهتم بالمواقف السياسية، لأن مهمتها لا تتمثل في تصنيف النواب بين مؤيد ومعارض، وإنما في تطبيق القواعد المنظمة للاقتراع وتحديد النتائج وفق الشروط القانونية المعمول بها. وفي المقابل، لا يجوز التقليل من شأن أي اعتراض برلماني لمجرد أنه صدر بصوت مرتفع، ما دام من حق النائب أن يثير مسألة إجرائية وفق القواعد المنظمة للجلسة.
لكن السؤال السياسي يظل قائماً: هل كان الهدف من احتجاج تحالف اليسار تسجيل موقف واضح من المرشحين معاً، أم الاعتراض على طريقة تدبير الجلسة، أم الجمع بين الأمرين؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب التمييز بين ما ظهر علناً، وما يمكن إثباته من خلال محضر الجلسة وتصريحات المعنيين. أما الجزم بأن الاحتجاج كان مجرد محاولة لصناعة الحضور الإعلامي، أو بأنه كان مناورة محسوبة سلفاً، فيظل استنتاجاً لا ينبغي تقديمه باعتباره حقيقة ثابتة من دون أدلة كافية.
لقد اعتاد المشهد السياسي المغربي أن تتحول اللحظات الإجرائية إلى رسائل رمزية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأحزاب محدودة التمثيلية تسعى إلى إبراز خصوصيتها داخل مؤسسة تهيمن عليها موازين الأغلبية والمعارضة. غير أن قيمة هذه الرسائل لا تقاس بحدة الاحتجاج ولا بمدى انتشار مقاطع الفيديو، بل بوضوح الموقف، وقوة الحجة، والقدرة على تحويل الاختلاف إلى ممارسة مؤسساتية منتجة.
وتلك هي المسألة التي ينبغي أن ينشغل بها الرأي العام: ليس هل رفع النائب صوته أم لا، بل ما الذي أراد الاعتراض عليه تحديداً؟ وما السند القانوني الذي استند إليه؟ وهل كان تدبير الجلسة مطابقاً للمقتضيات المنظمة لها؟ ثم، بعد انتهاء هذه الواقعة، ما الذي سيقدمه التحالف داخل البرلمان لترجمة اختياراته السياسية إلى رقابة وتشريع ومساءلة؟
فالمعارضة ليست مجرد إعلان رفض للأغلبية، كما أن الاستقلالية السياسية لا تُثبت فقط بالابتعاد عن بقية الفرقاء. إنما تُقاس بقدرة النائب على الدفاع عن موقفه بالحجة، والاحتكام إلى القانون، وممارسة الرقابة، وتقديم البدائل التي تهم المواطنين.
في النهاية، قد تكون الورقة البيضاء رسالة سياسية، وقد تتحول الورقة الملغاة إلى موضوع نزاع إجرائي، لكن القانون وحده هو الذي يحدد كيفية احتسابها، والوقائع الموثقة وحدها هي التي تسمح بتقييم ما جرى. أما تحويل الواقعة إلى حكم نهائي على نوايا التحالف أو على سلامة تدبير الجلسة، قبل استكمال المعطيات، فليس تحليلاً سياسياً رصيناً، بل قفز على ما ينبغي أن يكون أساس النقاش العمومي: المعطى أولاً، ثم التحليل، وبعدهما الافتراض.