بقلم الأستاذ: حسن تزوضى
يحتفل العالم باليوم العالمي للمرأة الذي يصادف 8 مارس من كل سنة، وهي مناسبة للتذكير بالنضالات الطويلة التي خاضتها النساء من أجل حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، فلا يمكن فهم هذا اليوم بمعزل عن السياق التاريخي الذي أفرزه، إذ جاء نتيجة التعبير عن موقف الرفض للاستغلال الذي تعرضت له النساء، حيث شهدت مصانع النسيج في نيويورك سنة 1908 احتجاجات لعاملات ضد ظروف العمل القاسية والأجور الهزيلة، وهو ما جعل الحركات الاشتراكية تتبنى هذه القضية ضمن نضالها الأوسع ضد الاستغلال الرأسمالي. ومع مرور الزمن، تحول هذا اليوم إلى مناسبة عالمية تُرفع فيها شعارات المساواة والعدالة لصالح المرأة وقضاياها. لكن ما يُلاحظ خاصة بعد انهيار جدار برلين ونهاية عصر الصراع الإيديولوجي، هو فقدان هذه المناسبة لمضمونها النضالي، بل تعرضت لتحريف أصاب معناها ودلالاتها، لتصبح مجرد احتفال يتم توظيفه لغايات سياسية وإيديولوجية.
في هذا الإطار لا بد من التأكيد على أن حقوق المرأة وحرّيتها ترتبط في الماضي والحاضر والمستقبل، بنضالها المستمر ضد الاستبداد والاستغلال والتسلط، ثم الرجعية بكل أشكالها، فلا يمكن الحديث عن حقوق المرأة وحريتها في ظل أنظمة تُكرّس الهيمنة الذكورية وتنظر إلى المرأة نظرة دونية باعتبارها مصدر الخطيئة والذنب، أنظمة تكرس الفقر والتمييز الاقتصادي ضد النساء، مما يجعل تحرر المرأة غير ممكن دون النظر إليها باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من معركة أوسع يجب أن يخوضها الجميع، نساءً ورجالًا، ضد الاستغلال والاستبداد.
لا يقتصر اضطهاد المرأة على التمييز الجندري.، بل يمتد إلى كونها ضحية مباشرة لاقتصاد غير عادل يفرض عليها أدوارًا هامشية، ويحرمها من فرص العمل اللائق، ويجعلها تعيش في ظروف هشّة داخل الأسر الفقيرة والمجتمعات المُهمّشة. وبالتالي، فإن الحرية الحقيقية للمرأة لا تكمن فقط في تحقيق مكاسب قانونية في معركتها ضد الهيمنة الذكورية، بل في القضاء على كل أشكال التمييز الاجتماعي والاقتصادي التي تُعيق إنسانيتها.
لقد تعرض وعي المرأة لتحريف منهجي من خلال خطاب إيديولوجي يعيد إنتاج الهيمنة بأشكال جديدة. فلم تعد قضايا المرأة تُطرح بوصفها جزءًا من النضال العمالي والاجتماعي، بل باتت تُقدَّم في إطار فرداني يختزل الحرية في الاستهلاك والاندماج في سوق العمل دون تغيير حقيقي في بنيته الاستغلالية والتمييزية. لقد تم تسويق صورة مشوهة عن الاستقلالية، حيث أصبح يُنظر إلى المرأة بوصفها كائنًا منفصلًا عن المجتمع، يُحقق ذاته في مواجهة الرجل بدلًا من أن يناضل معه ضد أنظمة القمع والاستغلال، كما تعرض الرجل نفسه لنفس التأثير، حيث يتم تسويق فكرة أن المرأة هي العدو. لم يكن هذا التحريف بريئًا، بل جاء ضمن استراتيجيات تفكيك الوعي الجماعي، وإدخال قضية المرأة في صراعات جانبية تُبعدها عن المعركة الحقيقية من أجل العدالة الاجتماعية.
ما تزال المرأة تعاني من مظاهر استغلال متعددة تعكس الطبيعة القمعية للنظام الاقتصادي السائد. فهناك آلاف النساء يعملن في البيوت، ومعامل النسيج، وشركات الكابلاج، والضيعات الفلاحية بأجور زهيدة وفي ظروف قاسية، دون حماية قانونية أو اجتماعية حقيقية. كما تتعرض النساء العاملات لأبشع أشكال التمييز في سوق العمل، حيث يتم تشغيلهن في وظائف هشة تُكرّس فقرهن وتعزز تبعيتهن الاقتصادية. بالإضافة إلى ذلك، يُمارس عليهن استغلال رمزي من خلال تحويل أجسادهن إلى أدوات دعاية في الإعلام والإعلانات، مما يجعلهن ضحايا مزدوجات للاستغلال الاقتصادي والاستهلاك الثقافي.
لا يمكن تجاوز هذه الوضعية الثقافية وهذا الوعي المعطوب دون تفكيك الخطاب القائم على الصراع المفتعل بين المرأة والرجل، فتصوير الرجل كعدو مباشر للمرأة يُشكّل أحد أكبر المغالطات التي تعيق تحقيق العدالة الحقيقية. فكما أن المرأة تعاني من القهر الاقتصادي والاجتماعي، يعاني الرجل بدوره من أشكال مختلفة من الاستغلال. ولذلك، فإن حرية المرأة والرجل معًا لا تتحقق عبر خلق تناقضات زائفة بينهما، بل عبر بناء وعي مشترك بأنّ الاستبداد والاستغلال هما العدو الحقيقي. فلا يمكن أن يتحقق التغيير الحقيقي في أوضاع المرأة والرجل معًا إلا بتوحيد النضال ضد الأسباب الجذرية للظلم الاجتماعي والاقتصادي.