رحيل عمتي حادة… حين يغادرنا جزء من ذاكرتنا الجميلة
مريرت-أولى نيوز.
في أقل من أسبوع، وجدت نفسي أمام فاجعتين متتاليتين أثقلتا القلب وأرهقتا الروح. فما كدت أستوعب خبر وفاة إنا فاظمة، رحمها الله، قبل أيام عيد الأضحى المبارك، حتى وردني في هذه الليلة نبأ وفاة عمتي حادة، المرأة التي شكلت جزءاً من طفولتي وذاكرتي وحياتي الأسرية.
أعترف أنني لم أجد الكلمات بسهولة هذه المرة. فبعض الأشخاص لا يرحلون وحدهم، بل يرحل معهم زمن كامل، وتغادر برحيلهم تفاصيل صغيرة كانت تمنح للحياة طعماً خاصاً لا يعوض.
كانت عمتي حادة من ذلك الجيل النادر من النساء اللواتي صنعن مجد الأسرة بصمت، وحافظن على تماسك البيوت دون ضجيج أو انتظار لثناء أو مقابل. امرأة بسيطة في مظهرها، عظيمة في أثرها، كرست حياتها لخدمة أسرتها وأبنائها وأقاربها، وكانت ترى في العطاء واجباً يومياً لا يحتاج إلى مناسبة.
عشت معها طفولتي وصباي، ولم أتذكر يوماً أنني زرتها إلا ووجدت عندها ما يسد الجوع ويطفئ العطش ويشرح الصدر. كانت تؤمن أن البيت العامر لا يقاس بحجمه أو أثاثه، بل بما يحتويه من دفء ومحبة وكرم.
أتذكر جيداً تلك الليالي التي كان يعود فيها أبي أو إخوتي من الصيد بعد صلاة العشاء، فتنهض من فراشها رغم التعب لتعد الطعام للجميع. لم تكن تعرف الاعتذار عن خدمة أحد، ولم تكن تطيق أن ينام ضيف أو قريب دون أن تضمن راحته وشبعه.
كانت عاشقة للنظام والنظافة إلى حد الهوس الجميل. لا تترك شيئاً في غير مكانه، ولا تسمح للفوضى أن تتسلل إلى بيتها. كانت تعتبر نظافة المنزل جزءاً من كرامة الإنسان واحترامه لنفسه ولضيوفه.
ومن أجمل الذكريات التي أحتفظ بها معها تلك الفترة التي عشتها بمدينة مريرت أثناء عملي بمنجم عوام. يومها كانت الرفيقة والأم والمستشارة. كنا نتبادل أطراف الحديث لساعات طويلة، وكانت تسترجع ذكرياتها وحكاياتها القديمة بشغف طفولي، تعيد بعضها أكثر من مرة دون أن أشعر بالملل، لأن لكل حكاية عندها روحاً خاصة.
رافقتها كذلك في رحلات علاجية إلى مدينة مكناس لمتابعة حالتها الصحية لدى أطباء القلب والشرايين والأعصاب. كانت تلك الرحلات فرصة للحديث أكثر، وللتعرف على عالمها الداخلي المليء بالحكمة والتجارب والصبر. نتناول الفطور معاً، ثم الغذاء، ونتبادل الأحاديث التي ما زالت أصداؤها تتردد في ذاكرتي إلى اليوم.
وكانت تحب السفر معي وزيارة الأقارب والأحباب، خصوصاً إلى بيت أختي فتيحة بمدينة الحاجب. كانت تفرح باللقاءات العائلية وتعتبرها من أجمل نعم الحياة. وكانت تؤمن أن صلة الرحم كنز لا ينبغي التفريط فيه مهما كانت الظروف.
أما أكثر ما كان يميزها فهو اهتمامها الدائم بي وحرصها على مستقبلي. كانت تكرر نصائحها حول العمل والادخار وبناء منزل خاص بي، وكأنها كانت تخشى علي من تقلبات الزمن أكثر مما أخشاها أنا على نفسي.
وكم من مرة طرقت بابها ليلاً دون موعد مسبق، فكانت تتعرف إلى صوتي من أول كلمة. تناديني باسمي وتفتح لي الباب وهي تردد عباراتها المليئة بالحنان: “إبني محمد”. كانت تلك الكلمة وحدها كافية لأن أشعر أنني عدت إلى حضن أمي.
تجهز لي مكان النوم، وتطمئن على راحتي، ثم تستيقظ قبل الفجر للصلاة. وبعدها بقليل تفوح رائحة الشاي والسمن البلدي الممزوج بالزعتر أو الشيح في أرجاء المنزل. كانت تلك الوجبات البسيطة بالنسبة إلي وليمة من الذكريات والمحبة الخالصة.
ورغم تقدمها في السن وتعبها الصحي، ظلت محافظة على كرمها وحيويتها واستقبالها الحار لكل زائر. لم تكن تسمح لأحد بمغادرة بيتها دون أن يشعر بأنه فرد من أفراد العائلة.
آخر زيارة لي لها كانت خلال السنة الماضية. كنت أنوي زيارتها خلال الأيام المباركة من شهر ذي الحجة، لكن ضيق الوقت وانشغالات الحياة حالت دون ذلك. وعندما سألت عنها أخبرتني أختي نزهة أنها بخير وفي صحة جيدة، فاطمأن قلبي وقلت سأزورها خلال الأيام المقبلة.
لكن مشيئة الله كانت أسرع من كل المواعيد المؤجلة.
رحلت عمتي حادة دون أن أتمكن من توديعها للمرة الأخيرة. رحلت وهي ما تزال تحتفظ بمكانتها وهيبتها ومحبة الناس لها. رحلت تاركة وراءها إرثاً من الذكريات الجميلة والصور المحفوظة في الحاسوب، والأهم من ذلك الصور المحفوظة في القلب.
اليوم، وأنا أستحضر تفاصيل حياتها، أدرك أن بعض النساء لا يكتبن أسماءهن في الكتب، لكنهن يكتبنها في قلوب من عرفوهن وعاشوا بقربهن. وعمتي حادة كانت واحدة من هؤلاء النساء الاستثنائيات.
رحمك الله يا عمتي الغالية، ورحم إنا فاظمة، ورحم أبي، ورحم عماتي وبنات عماتي، ورحم جميع موتانا وموتى المسلمين.
اللهم اجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك، وألهمنا الصبر على فراقهم والرضا بقضائك وقدرك.
إنا لله وإنا إليه راجعون.