الزواج بين قدسية الالتزام وإغراءات الرغبة

0 229

بقلم الأستاذ: حسن تزوضى
بينما كنا نجلس في المقهى، احتدم النقاش بيني وبين صديق حول مسألة الالتزام الأخلاقي في الحياة الزوجية، قال لي بنبرة ساخرة، إنه يعرف العديد من الرجال المتزوجين الذين رغم امتلاكهم عائلات مستقرة، لا يترددون في الانجراف وراء نزوات عابرة متى سنحت لهم الفرصة، حيث هم مستعدون للدخول في علاقات مع فتيات يكن أحيانا في عمر بناتهم ،استوقفني كلامه، فقلت له: “لكن أليس في ذلك تناقضًا جوهريًا؟ كيف يمكن للإنسان أن يكون جزءًا من مؤسسة قائمة على الالتزام، وفي الوقت نفسه يتصرف وكأنها مجرد قيد يسعى إلى التحرر منه؟” ابتسم وقال: “إنهم لا يرون الأمر هكذا؛ بالنسبة لهم، الزواج واجب اجتماعي، بينما الرغبة قانون داخلي لا يخضع لأي التزام.” أجبته: “وهذا تحديدًا ما يعكس أزمة أخلاقية عميقة، حيث يعيش الإنسان انفصامًا بين دوره الظاهر وميوله الخفية، متوهمًا أنه يمكنه الجمع بين نقيضين دون أن يدرك أن فقدان المعنى يبدأ عندما تصبح العائلة مجرد واجهة، وتصبح الرغبة هي الحقيقة الوحيدة التي تقود سلوكه.”
ينبثق هذا الانفصام من طبيعة الرغبة البشرية نفسها، التي تُعتبروفقًا للفلاسفة الوجوديين، حالة من القلق المستمر، فالرغبة بطبيعتها لا تعرف الاكتفاء؛ إنها تلاحق ما هو بعيد المنال، وما إن تُحقق غايتها حتى تبحث عن أخرى، هذه الديناميكية تجعل الإنسان عالقًا في دوامة من الإشباع والفراغ، لا يستطيع معها بناء توازن داخلي إلا إذا تمكن من تجاوز الرغبة إلى مستوى أعمق من الوعي، هنا يتجلى السؤال الأخلاقي: كيف يمكن للإنسان أن يتحرر من استبداد الرغبة دون أن ينكر طبيعته الجسدية؟
إن الزواج كفعل وجودي يمثل محاولة لتجاوز الفوضى التي تفرضها الرغبة الفردية نحو التزام يربط الذات بالآخر، لكنه ليس مجرد عقد اجتماعي أو إطار قانوني، بل هو تجربة روحية وأخلاقية تُعيد تعريف الإنسان ككائن يرتبط بالعالم من خلال الحب والمسؤولية. ومع ذلك، فإن كثيرين يفشلون في إدراك هذه الطبيعة العميقة للزواج، فيتحول بالنسبة لهم إلى واجب تقليدي خالٍ من أي مضمون وجودي، مما يجعلهم عرضة للعودة إلى حالة الفوضى التي حاولوا تجاوزها.
إن الاستعداد للانصياع للرغبة العابرة، رغم وجود العائلة، يكشف عن تراجيديا ذاتية يعيشها الإنسان الحديث، حيث يصبح أسيرًا لإيقاع الاستهلاك الذي يُهيمن على كل جوانب حياته، ففي مجتمع يُمجد اللحظة العابرة والمتعة السريعة، تُصبح الرغبة أداة أخرى للاستنزاف، حيث يُختزل الإنسان إلى مجرد كائن يبحث عن الإشباع المؤقت، غير قادر على بناء علاقة تستند إلى العمق والاستمرارية.
تجاوز هذه الحالة يتطلب إعادة التفكير في العلاقة بين الرغبة والأخلاق، فالرغبة رغم كونها طبيعية فهي تحتاج إلى توجيه كي لا تتحول إلى قوة مدمر، هنا يظهر دور الأخلاق كإطار يُعيد ضبط الرغبات ضمن رؤية إنسانية أعمق. لا يعني هذا إنكار الرغبة أو قمعها، بل يعني تحويلها إلى وسيلة لتحقيق تواصل أعمق مع الآخر، حيث تُصبح العائلة فضاءً يعكس السمو الروحي للإنسان.
إن العائلة في هذا السياق، ليست مجرد مجموعة من الأفراد تجمعهم روابط الدم أو العقد الاجتماعي، بل هي وحدة وجودية تُعيد الإنسان إلى ذاته من خلال الآخر، إنها تعبير عن القدرة على تجاوز الأنانية الفردية لصالح بناء مشترك، حيث يُصبح الحب التزامًا متبادلاً يتجاوز اللحظة الآنية ليصنع ذاكرة جماعية تمتد عبر الزمن.
في النهاية، يُصبح السؤال الجوهري هو: كيف يمكن للإنسان أن يُعيد اكتشاف المعنى الأخلاقي للرغبة؟ الإجابة تكمن في تجاوز الرغبة كغاية في ذاتها، وجعلها وسيلة لتعميق الروابط الإنسانية، فقط من خلال هذا التحول يُمكن للعائلة أن تستعيد قدسيتها، وللإنسان أن يتحرر من تراجيديا ذاته نحو كمال روحي يُضفي على حياته المعنى الذي يبحث عنه دون وعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.