“الهدر المدرسي في المغرب.. نجاح شكلي وتعليم ضعيف مضموناً”
بقلم.. م-ن.
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المنظومة التعليمية في المغرب، يتجدد النقاش حول مخرجات التعليم العمومي ومدى نجاعته في تأهيل التلاميذ لمراحل دراسية أكثر تقدماً. وبينما تسعى الدولة، من خلال برامجها، إلى الحد من ظاهرة الهدر المدرسي، فإن الواقع يكشف عن معالجات سطحية تكرّس النجاح الشكلي على حساب جودة التعليم، حيث بات التلميذ ينتقل من مستوى إلى آخر دون استيفاء الحد الأدنى من الكفايات المطلوبة.
تحت شعار “كل شي ناشط، كل شي ناجح، كل شي بخير”، تبنّت بعض المؤسسات التعليمية مقاربة خطيرة تقوم على دفع التلاميذ نحو النجاح بأي ثمن، متجاوزة تعليمات الوزارة والمديريات الإقليمية والجهوية. هذه الممارسة لا تعدو كونها محاولة لتفادي المساءلة، والحد من ظاهرة التكرار، وتجنب المواجهة مع لجان التفتيش، لكن السؤال الجوهري هو: هل يعكس هذا النجاح تقدماً حقيقياً في المستوى التعليمي؟ أم أنه مجرد رقم يُضاف إلى الإحصائيات الرسمية لتجميل المشهد التعليمي؟
في بعض المدارس الابتدائية العمومية، بات انتقال التلاميذ إلى التعليم الإعدادي عملية شبه تلقائية، بغض النظر عن مدى إتقانهم للمهارات الأساسية. والنتيجة هي تلاميذ يحملون شهادات نجاح لا تعكس حقيقة مستواهم، ما يؤدي لاحقاً إلى صعوبات كبيرة في استيعاب المقررات الدراسية الجديدة، ومن ثم الاضطرار إلى مغادرة مقاعد الدراسة في وقت لاحق. هذه السياسة لا تعالج أزمة الهدر المدرسي، بل تؤجلها، ليكون الثمن هو جيلاً من الشباب غير المؤهلين لمتطلبات الحياة العلمية والمهنية.
يُعد اختلاف المقررات الدراسية بين المدارس العمومية والخاصة واحداً من أكبر الإكراهات التي تواجه التعليم المغربي. ففي الوقت الذي تعتمد فيه المؤسسات التعليمية الخاصة مناهج متطورة ومكثفة، تستمر المدارس العمومية في تقديم محتوى تعليمي تقليدي لا يواكب متطلبات العصر. هذه الفجوة بين النظامين تُكرّس الفوارق الاجتماعية، حيث يخرج تلاميذ التعليم العمومي بأدوات ضعيفة لمنافسة نظرائهم من التعليم الخاص في سوق العمل أو في المسارات الأكاديمية العليا.
إدراكاً منهم لحجم الأزمة، بادر بعض الأساتذة النجباء إلى اقتراح تنظيم أيام مفتوحة لاستقبال آباء وأولياء التلاميذ، في خطوة تهدف إلى تحفيزهم على المساهمة في تحسين المستوى التعليمي لأبنائهم. تتيح هذه المبادرة فرصة حقيقية للأسر لمعرفة نقاط ضعف وقوة أبنائهم في مختلف المواد الدراسية، وهو ما قد يساهم في تحسين مستوى المتابعة والتوجيه داخل المنزل، إلا أن هذه الجهود الفردية تبقى محدودة التأثير ما لم يتم تعميمها بدعم رسمي.
تذمر أساتذة المستويات الأولية، خاصة السنة الأولى والثانية، من كثرة المواد الدراسية ليس أمراً جديداً، لكن اللافت هو معاناة التلاميذ في المناطق الناطقة بالأمازيغية، حيث يجدون أنفسهم مجبرين على تعلم لغات أجنبية قبل أن يتمكنوا حتى من إتقان لغتهم الأم. هذا الوضع يجعل استيعابهم للدروس أكثر صعوبة، ويضعهم في مواجهة تحديات مضاعفة قد تؤدي إلى نفورهم المبكر من المدرسة، وهو ما يُفاقم أزمة الهدر المدرسي في هذه المناطق.
.. إصلاح التعليم لا يقبل الحلول
إن أزمة التعليم في المغرب لا تكمن فقط في ظاهرة الهدر المدرسي، بل في النهج الذي تتبعه المؤسسات التعليمية للتعامل معها. فبدلاً من البحث عن حلول جذرية تُعزز جودة التعليم وتراعي الفوارق اللغوية والاجتماعية، يتم اللجوء إلى حلول ترقيعية تُجمّل الأرقام لكنها لا تعالج المشكل من جذوره. إن إصلاح المنظومة التعليمية يتطلب رؤية استراتيجية حقيقية تضع التلميذ في صلب الاهتمام، لا مجرد محاولات لتلميع صورة القطاع أمام الرأي العام.