أحزاب الأغلبية الحكومية بين المبادرات المقنعة والتسخينات الانتخابية إعادة تموقع أم استغلال ظرفي لاستمالة الناخبين؟

0 290

محسن خيير

تشهد الساحة السياسية المغربية اليوم، وعلى بُعد نحو عام ونصف من موعد الانتخابات التشريعية المقررة لعام 2026، نشاطًا حزبيًا يبدو في ظاهرِه حيويًا، إلا أنه يحمل بين طياته دلالات تكتيكية تتكرر مع كل اقتراب لاستحقاق انتخابي. ففي ظل أزمة ثقة عميقة يعاني منها المواطنون تجاه الفعل الحزبي، تتعدد المبادرات واللقاءات التواصلية التي تسعى لإعادة تموضع الأحزاب، لكنها كثيرًا ما تبدو كإجراءات ظرفية مؤقتة لا تتعدى فترة ما قبل الانتخابات.

على سبيل المثال، أطلق حزب الاستقلال مبادرة “2025 سنة التطوع”، التي يُروج لها على أنها مشروع لتعزيز ثقافة العمل التطوعي. إلا أن توقيت إطلاق هذه المبادرة يثير تساؤلات حول مدى مصداقيتها، إذ ينظر إليها البعض كمحاولة لتلميع الصورة السياسية بدلًا من تقديم رؤية استراتيجية طويلة الأمد. وقد يرى مراقبون أن هذه الخطوة تأتي في وقت يواجه فيه الحزب تحديات داخلية واضطرابات في الأغلبية الحكومية، مما يجعلها خطوة لإعادة التموضع استباقًا لأي إعادة تشكيل محتملة للتحالفات.

في سياق مشابه، تسعى شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة من خلال مبادرة “جيل 2030” إلى مخاطبة الشباب عبر شعار يختزل بين “الكرامة والأمل”. إلا أن التساؤل يبقى قائمًا حول مدى تأثير هذه المبادرة على فئة طالما ابتعدت عن العمل الحزبي، بسبب غياب سياسات ملموسة ترد على انشغالاتهم الحقيقية. فعدم تقديم مقترحات واضحة أو إجراءات عملية يجعل من المبادرة أكثر قربًا من كونها محاولة جاذبة للناخبين دون ضمانات حقيقية لتغيير أوضاعهم.

ولا تغيب التحركات عن حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة؛ فهو يستغل امتداداته الجمعوية مثل جمعية “جود” في مبادرات ذات طابع اجتماعي-انتخابي تستهدف فئات هشة عبر مشاريع تنموية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحسابات السياسية. ورغم التحديات الناتجة عن إدارة الحكومة في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية متدهورة، يسعى الحزب إلى الحفاظ على قاعدة انتخابية باتت أكثر عرضة للتململ، مما يطرح تساؤلات حول جدوى هذه التحركات في إحداث تغيير فعلي.

يبقى السؤال الأهم هو: هل يكفي هذا النشاط الموسمي والتسخين الانتخابي لتغيير قناعات الناخبين واستعادة الثقة في الفعل الحزبي؟ فالمبادرات التي تظهر بموجات مكثفة قبل الانتخابات تخبو فور انتهاء العملية الانتخابية، مما يعزز شعور المواطن المغربي بأن العمل السياسي الحقيقي يقتصر على فترات الاستحقاقات الانتخابية فقط.

في ظل تحولات اجتماعية واقتصادية تجبر الأحزاب على مواجهة تحديات كبيرة، يتعين عليها تقديم سياسات مستدامة وإجراءات عملية تُجيب على تطلعات المواطنين بدلاً من الاعتماد على تحركات موسمية. إن إعادة تموقع الأحزاب تحتاج إلى جهد دائم وبنّاء يتجاوز مجرد إيقاع الانتخاب، وإلا فإنها ستظل عالقة في دوامة التسخينات الانتخابية التي لا تحمل في طياتها أي تغيير جوهري في المشهد السياسي المغربي.

وفي النهاية، ستكشف نسب المشاركة الانتخابية والتفاعل الشعبي الحقيقي عن مدى تأثير هذه الاستراتيجيات على مستقبل العمل الحزبي في المغرب، وما إذا كانت تلك المبادرات مجرد أدوات تسخين انتخابية أم بداية لتحول حقيقي نحو سياسة أكثر قربًا من المواطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.