وجدة.. بين تألق المشهد الثقافي وتحدي الاستمرارية

0 527

حنان المنصوري
تحليل: جريدة “أولى-نيوز”

شهدت الدورة الخامسة من المعرض المغاربي للكتاب بوجدة نقلة نوعية في الحضور الجماهيري والمضمون الثقافي، بعد أن تخطّى عدد الزوار 60 ألف زائر، وهو رقم يؤكد أنّ المدينة الشرقية باتت مركزاً ثقافياً صاعداً في المشهد المغاربي، لا سيما في ظل تراجع الزخم الثقافي في مدن أخرى كانت تُعدّ قلاعاً للكتاب والنشر مثل الدار البيضاء ومراكش.

يُظهر الإقبال الواسع على معرض وجدة أنّ هناك تحولاً في الخريطة الثقافية الوطنية، حيث بدأت الجهات الهامشية في استعادة دورها التاريخي كمحاضن للثقافة.
أزيد من 18 ألف شاب شاركوا في أنشطة المعرض، و112 مؤسسة تعليمية حضرت فعالياته، وهو ما يعكس انتقال الثقافة من النخبة إلى الفضاء العمومي ومن قاعات المثقفين إلى قاعات الدراسة والسجون أيضاً، في تجربة إنسانية وثقافية فريدة.

من جهة اقتصادية، تشير الأرقام إلى بيع 40٪ من الكتب المعروضة، وهو مؤشر إيجابي يعكس إقبالاً حقيقياً على القراءة والاقتناء، وليس فقط حضوراً شكلياً، مما يُعيد الاعتبار لسوق الكتاب المغربي الذي تضرر بشدة خلال السنوات الماضية بسبب غياب الدعم وضعف التوزيع.

بالمقارنة مع المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء الذي استقطب أكثر من 300 ألف زائر في دورته 29 (2024)، يبقى معرض وجدة في مرتبة متقدمة من حيث الكثافة النسبية، بالنظر إلى حجم المدينة وسكانها، وهو ما يجعله المعرض الثاني وطنياً من حيث التأثير والحضور.

أما مغاربياً، فإن معرض وجدة يتفوّق في البعد التشاركي، إذ يُنظّم في إطار التعاون بين وكالة تنمية الشرق ووزارة الثقافة وجامعة محمد الأول، بخلاف المعارض المغاربية الأخرى التي غالباً ما تبقى ذات طابع رسمي صرف مثل معرض تونس الدولي للكتاب.

من خلال الشعار الذي اختير لهذه الدورة: “أن نقيم في العالم ونكتبه”، أراد المنظمون أن يجعلوا من وجدة فضاءً للحوار بين الثقافات واللغات، حيث شارك في التظاهرة أدباء من الجزائر وتونس وموريتانيا وليبيا، مما أعاد للمدينة مكانتها كـ منبر مغاربي مفتوح على المتوسط وإفريقيا.

ويرى عدد من الباحثين أن هذا النجاح لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بقدرة المعرض على تغيير الصورة الذهنية عن الشرق المغربي، الذي ظلّ لسنوات طويلة مهمشاً في السياسات الثقافية الوطنية.

رغم النجاح التنظيمي والجماهيري، يواجه المعرض تحديات أساسية تتعلق بـ:
1. استدامة التمويل وضمان دعم سنوي قار من وزارة الثقافة.
2. توسيع الشراكات المغاربية لتشمل مؤسسات نشر وجامعات مغربية وأجنبية.
3. تحويل المعرض إلى منصة قارية تستقطب الكُتّاب الأفارقة، بما ينسجم مع التوجه الإفريقي للمغرب.

يُعيد المعرض المغاربي للكتاب بوجدة الاعتبار إلى الثقافة كقوة ناعمة قادرة على إعادة صياغة صورة الجهات المغربية، ويؤكد أنّ الاستثمار في الكتاب والوعي هو استثمار في المستقبل.
فوجدة اليوم لا تُنافس فقط في الأرقام، بل تُعلن عن نفسها عاصمة مغاربية للثقافة والكتاب بامتياز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.