“تنغير ..الأحزاب السياسية المغربية بين ضعف البنية التنظيمية وتحديات الأداء الحكومي”

0 537

رشدي بوبكر – فاعل مدني

تُعدّ الأحزاب السياسية إحدى الركائز الجوهرية لأي نظام ديمقراطي، إذ تضطلع بوظائف حيوية في تأطير المواطنين، وصياغة النخب، وضمان المشاركة في تدبير الشأن العام. غير أنّ المشهد السياسي المغربي يعكس واقعاً مغايراً، يتّسم بأزمة هيكلية مزمنة تعانيها الأحزاب، سواء داخل الأغلبية الحكومية أو في صفوف المعارضة. هذه الأزمة تتجاوز حدود الأداء الانتخابي لتطال البنية التنظيمية، وطبيعة العلاقة بالمجتمع، ومدى قدرة الأحزاب على إنتاج بدائل سياسية مقنعة وواقعية.

وأضاف أن معظم الأحزاب تعاني من إشكالية الإئتلاف الحكومي وهشاشة هيكلية واضحة، تتجلى في ضعف التأطير السياسي وغياب التكوين المنهجي للأطر، خاصة في صفوف الشباب.
وفي غياب مراكز متخصصة للتكوين الحزبي، تلجأ هذه التنظيمات إلى أسلوب انتقائي يفضّل استقطاب الأعيان وذوي النفوذ الاقتصادي أو الاجتماعي على حساب الكفاءات والمناضلين الميدانيين.
هذا الوضع أدى إلى تفريغ الأحزاب من طاقاتها الحقيقية، وجعلها تواجه في كل محطة انتخابية صعوبة في الحشد والتعبئة، اعتماداً على الولاءات الظرفية بدل بناء قاعدة جماهيرية دائمة.
ولا تقتصر هذه الإشكالات على أحزاب الحكومة وحدها، بل تمتد لتشمل مجمل الحقل الحزبي المغربي، بما يكشف أن الأزمة ذات طابع بنيوي وثقافي متجذر في طريقة إنتاج النخب السياسية وممارسة السلطة التنظيمية داخل الأحزاب.

يتعمّق ضعف الأداء الحكومي بسبب التنافس الحزبي غير الصحي بين مكونات الائتلاف، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب سياسية وانتخابية على حساب المصلحة الوطنية المشتركة.
هذا التنازع الداخلي يُضعف الانسجام الحكومي، ويؤدي إلى تبديد الجهود وإرباك السياسات العمومية، ما يُكرّس في أذهان المواطنين صورةً سلبية عن الفاعلين السياسيين ويُقوّض الثقة في المؤسسات التمثيلية.

وأردف بالقول أن تراكم أوجه الضعف البنيوي والمصلحي ينعكس بشكل مباشر على علاقة المواطن بالسياسة، إذ تتزايد مظاهر العزوف عن التصويت والانخراط الحزبي.
وباتت السياسة، في نظر شرائح واسعة من المجتمع، فضاء مغلقاً تتحكم فيه المصالح الشخصية والولاءات الضيقة، مما أضعف الإيمان بجدوى المشاركة الديمقراطية.
وفي المقابل، يبرز المجتمع المدني كفاعل بديل يسعى إلى سدّ الفراغ، من خلال أدواره في التأطير والمراقبة والتوعية والدفاع عن قضايا الشأن العام، خصوصاً في المجالات الاجتماعية والتنموية.

وأكد السيد بوبكر على ان هذه الوضعية تفرض إقرار إصلاحات جذرية تضمن إعادة هيكلة المشهد الحزبي على أسس من المسؤولية والشفافية.
ومن أبرز المداخل الممكنة لذلك:
• ربط الدعم العمومي بمستوى الأداء السياسي والالتزام بالبرامج الانتخابية؛
• وضع آليات صارمة للمحاسبة السياسية والتنظيمية داخل الأحزاب؛
• تشجيع الاندماجات الحزبية للحد من التشتت التنظيمي وتحقيق نوع من العقلنة السياسية التي تضمن وضوح المشهد وتمكين الناخب من الاختيار الواعي.

إن أزمة الأحزاب السياسية في المغرب ليست طارئة، بل هي حصيلة تراكمات تاريخية وثقافية وتنظيمية تستوجب معالجة شاملة.
فإعادة الاعتبار للعمل الحزبي تمر عبر ترسيخ الديمقراطية الداخلية، وتأهيل الكفاءات، وتجديد النخب، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وحدها هذه الخطوات قادرة على استعادة ثقة المواطن في الفعل السياسي، وتفعيل المشاركة المواطِنة، وتعزيز أسس الحكامة الديمقراطية التي تشكّل جوهر المشروع الدستوري المغربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.