“محمود عمر بنجلون.. حين تدخل المعرفة إلى قاعة البرلمان”

0 19

أولى-نيوز.
متابعة وإعداد.. محمد النوري.

في قاعة البرلمان، قد نكون أمام ملامح جيل مختلف من نواب الأمة؛ جيل لا يأتي بالضرورة من المسارات الحزبية التقليدية وحدها، وإنما يحمل معه تكويناً أكاديمياً ومهنياً يمكن أن يجعل النقاش السياسي أكثر التصاقاً بالقانون والمؤسسات، وأكثر قدرة على مواجهة النص بالنص، والحجة بالحجة.

ومن بين الأسماء التي تستحق التوقف عندها يبرز عمر محمود بنجلون، ليس فقط باعتباره اسماً مرتبطاً بذاكرة سياسية ونضالية مغربية ثقيلة، وإنما باعتباره شخصية بنت لنفسها مساراً مهنياً وأكاديمياً مستقلاً، قبل أن تصل إلى المؤسسة التشريعية.

فالاسم يحمل بالفعل إرثاً عائلياً وسياسياً لافتاً؛ فهو نجل الراحل أحمد بنجلون، أحد مؤسسي حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي وأمينه العام الأسبق، وابن أخ الشهيد عمر بنجلون، أحد أبرز رموز اليسار المغربي، الذي اغتيل سنة 1975. غير أن اختزال عمر محمود بنجلون في هذا الإرث وحده سيكون اختزالاً لمسار شخصي تشكل بعيداً عن مجرد قوة الاسم العائلي.

الرجل اختار أن يبني مساره من بوابة القانون والجامعة والمحاماة والبحث والعمل السياسي والحقوقي. فهو حاصل على دكتوراه في القانون الدولي للتنمية من جامعة نيس الفرنسية سنة 2007، كما تابع بحثاً في العلوم السياسية بمعهد الدراسات السياسية بإكس أون بروفانس، وتخرج من معهد المحاماة بجنوب شرق فرنسا سنة 2009. ومنذ سنة 2010 يمارس المحاماة بهيئتي الرباط ومرسيليا، إلى جانب اشتغاله بالتدريس الجامعي والبحث في مجالات العلوم السياسية والاجتماعية والعلاقات الدولية.

وهنا تحديداً تكمن خصوصية هذا المسار.

فعمر محمود بنجلون لا يدخل المجال السياسي من باب السياسة وحدها؛ بل يأتي إليه محملاً بخبرة قانونية وأكاديمية ومهنية متعددة المستويات. وهو أمر قد ينعكس، داخل المؤسسة التشريعية، على طبيعة المرافعة وطريقة بناء المواقف، خصوصاً في القضايا التي تتطلب قراءة دقيقة للنصوص القانونية، وفهماً لبنية المؤسسات، وربطاً بين التشريع والممارسة والحقوق والحريات.

فالبرلمان، في جوهره، ليس مجرد فضاء للخطب السياسية أو لتسجيل المواقف، وإنما مؤسسة دستورية تقوم أدوارها على التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية، وهي أدوار تحتاج إلى المعرفة بقدر ما تحتاج إلى الموقف السياسي.

ومن هذه الزاوية، فإن حضور رجل يجمع بين المحاماة والبحث الجامعي والعلوم السياسية والممارسة الحقوقية داخل المؤسسة التشريعية قد يضيف إلى النقاش زاوية مختلفة؛ زاوية تجعل القانون جزءاً من المرافعة السياسية، وتجعل النصوص والمؤسسات والأرقام والمعطيات أدوات أساسية في مساءلة السياسات العمومية، بدل الاكتفاء بالشعارات أو الاصطفافات.

لكن ربما الأهم أن عمر محمود بنجلون لا يقدم نفسه، في مساره، باعتباره مجرد امتداد لاسم عائلي كبير.

الإرث حاضر، ولا يمكن محوه من الذاكرة السياسية المغربية، لكنه ليس بالضرورة بديلاً عن الكفاءة الشخصية. فالاسم قد يفتح باب التعريف، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع المرافعة، ولا أن يعوض المعرفة القانونية، ولا أن يمنح صاحبه القدرة على الإقناع داخل مؤسسة تحتاج إلى أدوات مختلفة من العمل السياسي.

وبين أحمد بنجلون وعمر بنجلون من جهة، وعمر محمود بنجلون من جهة أخرى، هناك مسار زمني وسياسي مختلف، وسياق مغربي تغيرت فيه المؤسسات والأسئلة والرهانات. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الجيل الجديد ليس أن يعيش على أمجاد الذاكرة السياسية، وإنما أن يثبت قدرته على إنتاج إضافة جديدة داخل المؤسسات.

وهنا سيكون البرلمان هو الاختبار الحقيقي.

فالمعيار في النهاية لن يكون الاسم، ولا الإرث، ولا عدد السنوات التي قضاها صاحبه في العمل السياسي، وإنما ما سيقدمه تحت قبة البرلمان: كيف سيتعامل مع مشاريع القوانين؟ كيف سيقرأ السياسات العمومية؟ كيف سيمارس الرقابة؟ كيف سيحول تكوينه القانوني والأكاديمي إلى مرافعات عملية؟ وكيف سيترجم خلفيته الحقوقية والسياسية إلى مواقف واضحة داخل مؤسسة يفترض أن تكون فيها الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حضوراً؟

إن دخول المعرفة إلى قاعة البرلمان لا يعني أن السياسة ستتحول إلى محاضرة جامعية، ولا أن الشهادة الأكاديمية وحدها تكفي لصناعة برلماني فعال. لكنه يعني، في المقابل، أن المؤسسة التشريعية تحتاج إلى تنوع في الخبرات والمسارات، وإلى نواب قادرين على الجمع بين الحس السياسي والدقة القانونية، وبين فهم المجتمع وفهم المؤسسات.

وعمر محمود بنجلون يدخل هذا الاستحقاق بخلفية تجعل تجربته جديرة بالمتابعة، لا بسبب الاسم الذي يحمله فقط، وإنما بسبب المسار الذي اختار أن يبنيه لنفسه.

وفي نهاية المطاف، ستبقى قاعة البرلمان هي المكان الذي يُختبر فيه كل ذلك. هناك، لا يكفي أن يكون المرء ابن اسم سياسي كبير، ولا أن يحمل دكتوراه، ولا أن يكون محامياً أو باحثاً؛ فالمعيار الأكثر وضوحاً سيكون ما يقوله، وكيف يقوله، وما الذي يفعله بالنص والحجة والرقابة والتشريع.

حينها فقط يمكن أن نعرف إن كان انتقال المعرفة من مدرج الجامعة ومكاتب المحاماة إلى قاعة البرلمان سيصنع بالفعل فارقاً في الممارسة، أم سيظل مجرد عنوان جميل لمسار سياسي جديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.