“نبيل بنعبد الله.. بين ثِقل الولاية الرابعة وسؤال الأخلاق في الخطاب السياسي”

0 1٬134

محمد النوري

في الوقت الذي كان فيه الشارع السياسي المغربي يترقّب تجديد النخب داخل الأحزاب، اختار حزب التقدّم والاشتراكية أن يواصل المسار نفسه بإعادة انتخاب محمد نبيل بنعبد الله أمينًا عامًا للمرة الرابعة على التوالي، خلال مؤتمره الوطني الحادي عشر المنعقد سنة 2022 ببوزنيقة.
هذا القرار، وإن تم وفق المساطر القانونية الداخلية للحزب، أعاد إلى الواجهة نقاشًا أعمق حول مفهوم التداول القيادي، وحدود الأخلاق في الممارسة والخطاب السياسي، خصوصًا بعد ظهور مقطع مصوّر مثير للجدل منسوب للأمين العام ذاته، استخدم فيه عبارات اعتبرها كثيرون غير لائقة سياسيًا ولا أخلاقيًا.

منذ انتخابه أول مرة سنة 2010، حافظ بنعبد الله على موقع القيادة داخل الحزب، مكرسًا حضوره كأحد أقدم الوجوه السياسية في المشهد اليساري المغربي.
وقد أُعيد انتخابه في المؤتمرات اللاحقة (2014 – 2018 – 2022) دون منافسة حقيقية، وهو ما اعتبره مراقبون «مؤشرًا على غياب دينامية التداول الداخلي»، في حين يرى أنصاره أن استمراره «ضرورة لضمان الاستقرار التنظيمي والسياسي».

لكن خلف هذا التبرير التنظيمي، تبرز مخاوف جدّية من تحوّل المنصب الحزبي إلى ملك رمزي شخصي، ما قد يُفقد الحزب روحه التجديدية، ويُبعد الكفاءات الشابة عن الانخراط والمبادرة.

المقطع المتداول، الذي يظهر فيه بنعبد الله وهو يصرخ بعبارة «عفس على مو»، مثّل لحظة صادمة للرأي العام.
وقد سارع الحزب إلى إصدار توضيح يفيد بأن الفيديو قديم ويعود إلى واقعة محاولة اقتحام مقر الحزب من قبل «عناصر مأجورة»، وأن ما ورد فيه «مجرد رد فعل تلقائي في ظرف توتر».
لكن، رغم هذا التوضيح، لم تخفَ على كثيرين ملامح الانفعال والطريقة غير المنضبطة في الخطاب، والتي تتنافى مع ما يُنتظر من قائد سياسي يُفترض أن يكون قدوة في ضبط النفس واللغة.

يُجمع عدد من الباحثين في الشأن الحزبي على أن الأخلاق السياسية ليست ترفًا بل ركن من أركان الممارسة الديمقراطية.
وفي تصريح لـ«أولى-نيوز»، قال أحد أساتذة العلوم السياسية:

«حتى إن كان الفيديو خارج سياقه، فإن أسلوب الخطاب الذي يتضمّن ألفاظًا جارحة أو عنيفة يبعث برسائل سلبية إلى القواعد، خصوصًا في ظل الأزمة الأخلاقية التي تعيشها الحياة الحزبية بالمغرب».

ومن جهته، يرى ناشط يساري سابق بالحزب أن تكرار الولاية الرابعة أفرغ الحزب من روح النقد الذاتي، مضيفًا أن «المشكلة ليست في الفيديو، بل في الذهنية التي سمحت بتداوله دون مساءلة حقيقية».

أنصار بنعبد الله يؤكدون أن الرجل لم يكن يومًا متورطًا في تحريض فعلي أو ممارسة عنف ممنهجة، وأن ما صدر عنه «جاء في لحظة توتر حقيقي» أثناء محاولة عرقلة اجتماع حزبي.
غير أن منتقديه يردّون بأن الزعيم الذي أمضى أكثر من 15 عامًا على رأس الحزب، كان عليه أن يزن كلماته بقدر تجربته الطويلة، وأن يدرك أن اللغة السياسية سلوك عام وليست انفعالًا شخصيًا.

يرى محللون أن تكرار الحوادث اللفظية يضعف صورة الأحزاب أمام الرأي العام، ويقوّض شرعية الخطاب الأخلاقي الذي ترفعه في بياناتها.
فحين يسمع المواطن البسيط زعيمًا سياسيًا يستعمل عبارات قاسية أو مهينة، يتساءل بحق:

كيف نثق في خطاب يدّعي الدفاع عن الكرامة والعدالة الاجتماعية، بينما لغته اليومية تنزلق إلى الشارع؟

القضية اليوم لا تتعلق فقط بتأكيد أو نفي مقطع فيديو، بل بسؤال أعمق حول طبيعة الخطاب السياسي في المغرب.
هل يمكن للسياسة أن تستعيد أخلاقها حين يتحوّل الزعيم إلى نموذج لغوي في الغضب بدل الحوار؟

إن استمرار بنعبد الله في منصبه لولاية رابعة حقٌّ حزبي لا جدال فيه، لكنه رهان أخلاقي خاسر إن لم يرافقه تجديد في الخطاب والممارسة.
فالقائد الحقيقي لا يُقاس بطول المدة في الكرسي، بل بقدرته على احترام الكلمة والمسؤولية، لأن اللسان في السياسة قد يهدم ما تبنيه التجربة في عقود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.