“ميناء الداخلة الأطلسي.. بوابة مغربية نحو إفريقيا وممر استراتيجي للتجارة القارية”

0 440

الداخلة – منبر أولى نيوز
إعداد: محمد النوري

في خطوةٍ وُصفت بالتاريخية على صعيد التعاون الإفريقي، أكدت وزيرة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في مملكة إسواتيني، فوليل ديلاميني شكانتّو، أن مشروع ميناء الداخلة الأطلسي يشكل “عهدًا جديدًا في مسار الربط والتجارة البينية الإفريقية”، مبرزةً أن المملكة المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، تمضي بثبات نحو ترسيخ مكانتها كجسر استراتيجي يربط شمال القارة بجنوبها ويقوي التكامل الاقتصادي الإفريقي.

وأضافت الوزيرة خلال زيارتها الأخيرة لورش بناء الميناء، أن هذا المشروع العملاق يعكس رؤية مغربية بعيدة المدى، تتجاوز حدود التنمية الوطنية لتطال مستقبل القارة بأكملها، مشيرة إلى أن الربط البحري عبر الأطلسي سيسمح للدول الإفريقية غير الساحلية بولوج الأسواق العالمية، كما سيسهم في تعزيز المبادلات التجارية داخل القارة وفق أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA).

يُقام ميناء الداخلة الأطلسي على بُعد 40 كيلومتراً شمال مدينة الداخلة، في موقع “نتيرفت”، وتبلغ كلفته الإجمالية حوالي 12.6 مليار درهم مغربي. ويتألف من ثلاث مناطق رئيسية:
• ميناء تجاري عميق قادر على استقبال السفن الكبرى ذات الغاطس الطويل،
• ميناء مخصص للصيد البحري الساحلي والعالي،
• ورشة لصناعة وصيانة السفن، إلى جانب منطقة اقتصادية ولوجستية تمتد على مساحة 1650 هكتاراً، مخصصة لأنشطة التصنيع والتصدير.

ويُنتظر أن يشكل الميناء محوراً رئيسياً في التنمية الاقتصادية للأقاليم الجنوبية، خاصة مع استهدافه قطاعات متعددة تشمل الصيد البحري، الفلاحة، الصناعة التحويلية، والخدمات اللوجستية. كما سيُعزز المشروع ربط المغرب بدول إفريقيا الغربية والوسطى، مما سيحوّل الداخلة إلى مركز استراتيجي لتبادل السلع والخدمات على المستوى الإقليمي.

يأتي هذا المشروع ضمن الاستراتيجية الوطنية للموانئ 2030 التي أعلن عنها المغرب لتجعل من الواجهة الأطلسية رافعةً للازدهار الوطني والقاري. ويعكس الميناء رؤيةً ملكية تعتبر البحر فضاءً للتنمية والسيادة، ومنطلقاً لتعزيز الحضور المغربي في إفريقيا.

فمنذ إطلاق المشروع سنة 2021، تجاوزت نسبة إنجاز الأشغال 40 بالمئة وفق وزارة التجهيز والماء، ما يعكس دينامية قوية في التنفيذ. كما تراهن الحكومة على جعله مركزاً محورياً في الربط بين الموانئ الإفريقية عبر الأطلسي من جهة، والموانئ الأوروبية والأمريكية من جهة أخرى.

زيارة وزيرة خارجية إسواتيني لموقع المشروع حملت بُعداً سياسياً واضحاً، حيث جدّدت من خلالها بلادها دعمها الصريح لمغربية الصحراء، معتبرة أن “ميناء الداخلة الأطلسي تجسيد للسيادة المغربية والتنمية المندمجة التي تشمل كل ربوع المملكة”.

وفي هذا السياق، أكدت المسؤولة الإفريقية أن بلادها ترى في المغرب “شريكاً موثوقاً يقود التنمية القارية برؤية تضامنية”، مضيفة أن الربط بين الداخلة وبقية الموانئ الإفريقية سيكون رافعة للاندماج الاقتصادي الذي طالما نادت به بلدان الجنوب.

ورغم الطابع الطموح للمشروع، إلا أن بعض التحديات التقنية تظل قائمة، مثل ظروف البحر القاسية في السواحل الأطلسية وضرورة تأمين البنية التحتية اللوجستية الموازية (طرق وسكك حديدية). ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن المغرب، الذي راكم خبرة هندسية في مشاريع كبرى كميناء طنجة المتوسط، قادر على إنجاح هذه التجربة الجديدة.

ويُنتظر أن يسهم الميناء، بعد اكتمال أشغاله، في خلق آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، وأن يُحوّل الداخلة إلى بوابة تجارية إفريقية نحو العالم الأطلسي، تعزز من خلالها المملكة مكانتها كقطب لوجستي قارّي.

ميناء الداخلة الأطلسي ليس مجرد ورش هندسي ضخم، بل هو إعلان عن دخول المغرب مرحلة جديدة في علاقته بالقارة الإفريقية، عنوانها التعاون والربط والتنمية المشتركة. ومن قلب الصحراء المغربية، يكتب المغرب فصلاً جديداً في تاريخه البحري والاقتصادي، يفتح أمام إفريقيا آفاقاً واسعة نحو التكامل والازدهار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.