الإجراءات الجمركية الجديدة… حين يتحوّل التنظيم إلى عبء خانق بميناء بني أنصار وطنجة المتوسط
تبعًا لما يشهده قطاع النقل الدولي للبضائع والأمتعة غير المصحوبة لحساب الغير من مستجدات، وتنويـرًا للرأي العام المهني، تعلن الهيئات المهنية الممثلة للقطاع على الصعيد الوطني عن تحيين هذا البيان الاستنكاري، استحضارًا لمخرجات اللقاء المنعقد امس الاربعاء07 يناير 2026 بقاعات الاجتماعات بمقر غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الشرق بمدينة وجدة.


في خضم الظرفية الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، وفي وقتٍ يُفترض فيه أن تكون الإدارة العمومية سندًا للقطاعات المنتجة وشريكًا حقيقيًا في التخفيف من حدة الأزمة، فوجئ مهنيّو قطاع النقل الدولي للأمتعة غير المصحوبة والبضائع بسلسلة من الإجراءات الجمركية الجديدة التي تم تنزيلها، بشكل مفاجئ وارتجالي، بكل من ميناء بني أنصار بالناظور وميناء طنجة المتوسط، إجراءات وُصفت من قبل الفاعلين المهنيين بأنها تفتقر إلى المقاربة التشاركية وتغيب عنها الرؤية الواقعية لطبيعة القطاع وإكراهاته اليومية.
وحسب المعطيات المتوفرة، فإن هذه الإجراءات، التي جرى تفعيلها دون إشعار مسبق أو سند تواصلي واضح، خلقت حالة من الارتباك داخل المرافق المينائية، وأربكت سير العمليات الجمركية، وأثقلت كاهل أرباب المقاولات الصغرى والمتوسطة بتكاليف إضافية غير مبررة، في قطاع هشّ أصلًا يعاني من تراجع المردودية، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتقلص هامش الربح.
إن ما يثير الاستغراب، بل القلق، هو أن بعض هذه القرارات طُبّقت بمنطق الأمر الواقع، بعيدًا عن روح القانون وعن التوجيهات العامة التي ما فتئت تؤكد على ضرورة تبسيط المساطر، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الثقة بين الإدارة والمهنيين. إذ تحوّلت بعض الممارسات الجمركية، في نظر الفاعلين، من آليات تنظيم ومراقبة إلى أدوات تضييق وتعقيد، تُفرغ مفهوم الحكامة من محتواه، وتُفرز احتقانًا اجتماعيًا متصاعدًا داخل قطاع حيوي له ارتباط مباشر بالجالية المغربية المقيمة بالخارج وبالدورة الاقتصادية الوطنية.
وفي هذا السياق، يرى مهنيّو النقل الدولي أن الإصرار على تفعيل قرارات ذات أثر اقتصادي واجتماعي مباشر، دون إشراك حقيقي لممثلي القطاع، يتنافى مع مبادئ الشراكة التي دأبت الإدارة العامة للجمارك والضرائب غير المباشرة على الترويج لها في خطاباتها الرسمية، والتي تعتبر فيها المقاولة الوطنية شريكًا استراتيجيًا لا مجرد خاضع للمراقبة.
كما أن التباين الصارخ في تطبيق هذه الإجراءات بين ميناء وآخر، بل وأحيانًا داخل الميناء نفسه، يطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق توحيد القرار الجمركي وعدالة تطبيقه، ويغذي الإحساس بالانتقائية والازدواجية، وهو إحساس خطير إن تُرك دون معالجة، لأنه يقوّض الثقة في الإدارة، ويفتح الباب أمام التأويلات والاحتقان، ويهدد السلم الاجتماعي داخل فضاءات العمل المينائي.
ولا يجادل أحد في حق إدارة الجمارك في تشديد المراقبة وحماية الاقتصاد الوطني ومحاربة كل أشكال الغش والتهريب، غير أن هذا الحق يجب أن يُمارَس في إطار التوازن بين سلطة المراقبة ومتطلبات الاستمرارية الاقتصادية، وبين الصرامة القانونية ومرونة التدبير، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقطاع يرتبط بمعيش آلاف الأسر، ويُعد شريانًا أساسيًا لخدمة الجالية المغربية بالخارج.
إن ما يطالب به مهنيّو القطاع اليوم ليس امتيازات ولا خرقًا للقانون، بل وضوح في الرؤية، وتوحيد في الإجراءات، واعتماد مقاربة تشاركية حقيقية تُشرك الفاعل المهني في صناعة القرار، بدل وضعه أمام تعليمات فجائية تُنفَّذ بمنطق التعليمات الفوقية، دون مراعاة للواقع الميداني.
وفي انتظار أن تعيد الجهات المسؤولة النظر في طريقة تنزيل هذه الإجراءات، يبقى السؤال المطروح بإلحاح: هل الهدف هو تنظيم القطاع فعلاً، أم التضييق عليه؟ وهل نحن أمام إصلاح إداري حقيقي، أم مجرد قرارات معزولة قد تكون عواقبها أخطر من منافعها؟
أسئلة مشروعة يطرحها مهنيّو النقل الدولي اليوم، وهم يرفعون صوتهم ليس بدافع التصعيد، بل دفاعًا عن قطاع بات مهددًا بالشلل، وعن سِلْم اجتماعي قد لا يحتمل مزيدًا من القرارات غير المحسوبة.