“بين الانسحاب التكتيكي وهندسة الإحراج.. قراءة نقدية في مباراة صنعت ما بعد التسعين دقيقة”

0 282

إعداد.. محمد النوري ،أولى-نيوز.

لم تكن تلك المباراة مجرد نهائي كروي عابر، ولا لحظة حسم بلقب يُضاف إلى خزائن منتخب، بل تحوّلت، في ظرف دقائق مشحونة، إلى مسرح كثيف الرمزية، تتقاطع فيه الرياضة بالسياسة، والأخلاق بالمصالح، واللعب النظيف بالحسابات الباردة. ما جرى على أرضية الملعب تجاوز حدود ضربة جزاء أُهدرت، أو هدف أُلغي، ليفتح بابًا واسعًا على سؤال أعمق.. هل كنا أمام تنافس رياضي خالص، أم أمام سيناريو مدروس لإعادة ترتيب موازين القوة النفسية والمعنوية؟

من زاوية تحليلية بحتة، يصعب فصل واقعة “الانسحاب” عن سياقها الكامل. فالسنغال، حين لوّحت بمغادرة الملعب، لم تكن تمارس رد فعل انفعاليًا، بل خطوة محسوبة بدقة، أقرب إلى مناورة ذهنية منها إلى احتجاج رياضي. انسحاب لا يُراد له أن يكتمل، بقدر ما يُراد له أن يُنتج أثره: وضع الطرف الآخر، المغرب، في موقع الدولة المنظِّمة الحريصة على استكمال المباراة، والمُطالبة ضمنيًا بتحمّل كلفة أي سابقة قد تُسجَّل في دفتر كرة القدم الإفريقية.

هنا بالضبط، انتقلت المباراة من العشب إلى ما هو أبعد منه. المغرب لم يكن يلعب من أجل كأس فقط، بل من أجل صورة، ومن أجل مصداقية تنظيمية، ومن أجل رصيد تراكمي بناه خلال سنوات داخل القارة وخارجها. في هذا الإطار، يصبح التنازل الرياضي – إن صح التعبير – خيارًا استراتيجيًا لا هزيمة فيه، بل إعادة تموضع ذكية في لعبة أكبر من تسعين دقيقة.

في المقابل، استفادت السنغال من هذا الارتباك المركّب. فعلى المستوى النفسي، خرج لاعبوها من دور “المحتج” إلى دور “المُستجاب له”، وهو تحوّل كفيل بقلب موازين المعنويات. أما المنتخب المغربي، فدخل بقية اللقاء تحت ضغط مزدوج: ضغط النتيجة، وضغط محاولة استرضاء خصم عاد إلى الملعب وهو يشعر – ولو لا شعوريًا – بأنه انتصر قبل أن تُستأنف الكرة.

ومع ذلك، فإن اختزال النتيجة في “مؤامرة” أو “غدر” يبقى قراءة عاطفية أكثر منها تحليلًا رصينًا. نعم، السنغال كانت في تلك المباراة أكثر جاهزية، وأكثر تماسكًا، واستحقت التتويج من زاوية الأداء. لكن هذا لا ينفي حقيقة أن المنتخب المغربي، من حيث الجودة الفردية والجماعية، يملك سقفًا أعلى بكثير، ظهر جليًا في اللحظات التي تحرّر فيها اللعب، خصوصًا عندما أُطلق العنان لأدوار هجومية حكيمي مع العلم ان المدرب الركراكي كان متحفظاً في تحريره وكانت الخطة مقيّدة بتحفظ تكتيكي مبالغ فيه.

الأخطر في كل ما رافق هذه المباراة ليس ما وقع داخل المستطيل الأخضر، بل ما تلاها خارجه.. موجة من الخطاب الانفعالي، والتخوين المتبادل، ومحاولات دق إسفين بين المغرب وعمقه الإفريقي. وهنا تبرز مسؤولية الوعي الجماعي. فالعلاقات بين الدول لا تُدار بعقلية جمهور غاضب، ولا تُختزل في مباراة كرة قدم، مهما كانت قاسية.

المغرب، تاريخيًا، لم يكن يومًا بلدًا يُدير ظهره لإفريقيا، بل كان – ولا يزال – فاعلًا اقتصاديًا وسياسيًا وإنسانيًا داخل القارة. استثمارات، شراكات، جاليات، ومواقف تضامنية في لحظات الشدة. كل ذلك لا يمكن أن يُمحى بسبب قرار تحكيمي، أو تصرف مدرب، أو سيناريو ملتبس في مباراة.

أما من يراهن على إشعال الفتنة بين المغاربة وإخوتهم الأفارقة، فهو إما ساذج لا يدرك حجم المصالح المتشابكة، أو متربص يقتات على الفوضى. فالكرة تُكسب وتُخسر، لكن ما يُبنى بين الشعوب لا يجب أن يكون هشًا إلى هذا الحد.

خلاصة القول، ما حدث كان درسًا قاسيًا، لكنه غني بالدلالات. درس في أن القوة لا تُقاس فقط بعدد الأهداف، بل بقدرتك على ضبط النفس حين تكون كل الأنظار عليك. ودرس في أن بعض الانتصارات المؤجلة، في السياسة والاقتصاد والمكانة الدولية، قد تكون أثمن بكثير من كأس يُرفع في ليلة واحدة.

وفي النهاية، تبقى كرة القدم لعبة، أما العلاقات بين الدول، فهي مباراة طويلة النفس… لا تُحسم بركلة جزاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.