“المشروع النووي الإيراني.. من “الذرة من أجل السلام” إلى معادلة الصراع الدولي”

0 270

إعداد.. محمد النوري أولى-نيوز.

في السياسة الدولية، لا تسير الأحداث دائماً وفق منطق التحالفات الثابتة، بل كثيراً ما تتحول أدوات الشراكة إلى مصادر تهديد، وهو ما تجسده بوضوح قصة البرنامج النووي الإيراني. فالمشروع الذي يُنظر إليه اليوم باعتباره أحد أبرز ملفات التوتر العالمي، لم ينشأ في سياق المواجهة مع الغرب، بل وُلد أساساً في إطار تعاون وثيق مع الولايات المتحدة وحلفائها خلال حقبة حكم الشاه.

في ستينيات القرن الماضي، أطلقت الولايات المتحدة برنامج “الذرة من أجل السلام” في إطار البدايات.. إيران الإبنة المدللة حيث غدا التعاون الغربي واسع النطاق سياسيًا لنشر الاستخدامات السلمية للطاقة النووية بين حلفائها. وفي هذا السياق، حصلت إيران عام 1967 على مفاعل أبحاث نووي بقدرة 5 ميغاواط في طهران، زودته واشنطن بالوقود النووي عالي التخصيب.

وخلال عقد السبعينيات، تحول المشروع النووي الإيراني إلى ورشة دولية مفتوحة، حيث وقعت طهران اتفاقيات مع شركات أوروبية كبرى. فقد تعاقدت مع شركة Siemens الألمانية لبناء مفاعلين للطاقة في بوشهر، كما دخلت في شراكات مع مؤسسات فرنسية مرتبطة بمجموعة Framatome لتطوير قدراتها في مجال دورة الوقود النووي. وكان الهدف المعلن آنذاك هو تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على النفط.

كما تشير وثائق تاريخية إلى أن التعاون العلمي والتقني شمل برامج تدريب للكوادر الإيرانية في عدد من الدول الحليفة وخاصة منها يسرائيل، في وقت كانت فيه إيران تُعد أحد أهم شركاء الغرب في منطقة الخليج.

نقطة التحول.. الثورة والحرب حيث شكلت الثورة الإسلامية عام 1979 لحظة فاصلة. فقد انهارت منظومة التحالفات السابقة، وتوقفت معظم المشاريع النووية بعد انسحاب الشركات الغربية وفرض العقوبات. لكن اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988) أعاد صياغة الرؤية الاستراتيجية الإيرانية، حيث انتقل التفكير من مشروع طاقة مدني واسع إلى برنامج يُنظر إليه داخلياً كأداة لتعزيز الاستقلال وتحقيق ردع الأطماع الخارجية.

ومنذ التسعينيات، أعادت طهران إحياء أجزاء من بنيتها النووية بمزيج من القدرات المحلية والتعاون المحدود مع دول أخرى، أبرزها روسيا التي استكملت لاحقاً بناء محطة بوشهر.

تستند إيران في موقفها إلى عضويتها في الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتوقيعها على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، خاصة مع الإطار القانوني ومعركة الشرعية التي تتيح للدول حق تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية. غير أن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ترى أن مستويات التخصيب المتقدمة والأنشطة غير المعلنة سابقاً تثير مخاوف من أبعاد عسكرية محتملة.

وقد بلغ التوتر ذروته قبل توقيع الاتفاق النووي عام 2015، المعروف رسمياً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، والذي فرض قيوداً صارمة على البرنامج مقابل رفع تدريجي للعقوبات، قبل أن تدخل الاتفاقية مرحلة من التعثر بعد الانسحاب الأمريكي منها عام 2018.

تكشف مسيرة البرنامج النووي الإيراني مفارقة استراتيجية لافتة في العلاقات الدولية: بنية تحتية وتقنيات نشأت في ظل تحالف وثيق مع الغرب، تحولت لاحقاً إلى أحد أبرز مصادر القلق لديه. وبينما تؤكد طهران أن برنامجها يظل سلمياً وسيادياً، ترى عواصم غربية وإقليمية فيه عنصراً مهدداً لتوازنات الأمن في الشرق الأوسط.

اليوم، خلاصة القول يقف الملف النووي الإيراني عند تقاطع معقد بين القانون الدولي، وحسابات الردع، وصراعات النفوذ الإقليمي. وهو نموذج حي لكيف يمكن لتحولات السياسة والأنظمة أن تعيد تعريف الأدوات نفسها.. من مشاريع تنموية واعدة إلى ملفات صراع مفتوحة، حيث يصبح تاريخ التعاون جزءاً من سردية المواجهة، وتتحول “الذرة من أجل السلام” إلى عنوان دائم لجدل دولي لم تُكتب فصوله الأخيرة بعد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.