“عودة “سامير” إلى الواجهة: هل يفتح غلاء المحروقات باب الحسم في ملف التكرير بالمغرب؟”

0 243

إعداد.. محمد النوري

في وقتٍ تتصاعد فيه أسعار المحروقات بالمغرب بشكل لافت، عادت مصفاة “سامير” لتتصدر النقاش العمومي، ليس فقط كمنشأة صناعية متوقفة، بل كعنوان بارز لاختلالات أعمق تمسّ الأمن الطاقي الوطني وخيارات تدبير قطاع حيوي ظل رهين التقلبات الدولية.

منذ تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، دخل السوق المغربي مرحلة جديدة تقوم على منطق المنافسة، غير أن هذا التحول لم يُفضِ، وفق متتبعين، إلى تحقيق التوازن المنشود بين العرض والطلب، بقدر ما فتح الباب أمام تقلبات سعرية متواصلة، يتحمل كلفتها المستهلك بشكل مباشر.

وتفيد معطيات مهنية متقاطعة أن المغرب يستورد سنوياً ملايين الأطنان من المواد البترولية المكررة، في ظل غياب طاقة تكرير وطنية منذ توقف “سامير”، وهو ما يرفع من كلفة الفاتورة الطاقية ويجعلها رهينة للأسواق الخارجية.

قبل توقفها، كانت مصفاة “سامير” تؤمّن جزءاً مهماً من حاجيات السوق الوطنية، كما لعبت دوراً محورياً في تخزين الاحتياطي الاستراتيجي من المحروقات. اليوم، ومع استمرار إغلاقها، يجد المغرب نفسه أمام معادلة صعبة: الاعتماد الكامل على الاستيراد مقابل غياب أدوات داخلية للتوازن.

وتُجمع آراء خبراء في الطاقة على أن إعادة تشغيل المصفاة من شأنه أن يساهم في:
• تقليص كلفة الاستيراد عبر تكرير النفط الخام محلياً؛
• تعزيز القدرة التخزينية الوطنية؛
• خلق هامش تدخل للدولة في ضبط السوق؛
• وتخفيف الضغط على الأسعار في فترات الأزمات.

بل إن تقديرات غير رسمية تشير إلى إمكانية خفض الأسعار بما يقارب 2 إلى 3 دراهم للتر الواحد، وهو معطى، إن تحقق، ستكون له انعكاسات مباشرة على مختلف سلاسل الإنتاج والخدمات.

تداعيات دولية تضغط على الداخل
تأتي هذه التحولات في ظل سياق دولي متوتر، حيث ساهمت الصراعات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، في رفع أسعار النفط عالمياً، ما انعكس بشكل فوري على السوق المغربية.

هذا الارتباط الوثيق بالخارج يعمّق، بحسب محللين، هشاشة المنظومة الطاقية الوطنية، ويطرح بإلحاح مسألة السيادة الطاقية كخيار استراتيجي لا يحتمل التأجيل.

في المقابل، رفعت المركزيات النقابية من لهجتها، مطالبة الحكومة بالتدخل العاجل لضبط الأسعار، عبر مراجعة الضرائب المفروضة على المحروقات، وتحديد سقف لهوامش الربح، فضلاً عن فرض احترام مستوى المخزون القانوني.

وترى هذه الهيئات أن استمرار الوضع الحالي يهدد بتوسيع دائرة الاحتقان الاجتماعي، في ظل التأثير المباشر لأسعار المحروقات على النقل، والمواد الغذائية، وكلفة الخدمات الأساسية.

إشكال التنفيذ… لا غياب النصوص
في هذا الإطار، يؤكد فاعلون مدنيون أن الترسانة القانونية المنظمة للقطاع كفيلة، نظرياً، بضبط جزء من الاختلالات، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في ضعف التفعيل والمراقبة.

ويبرز هذا المعطى بشكل خاص في مسألة المخزون الاستراتيجي، حيث ينص القانون على حد أدنى إلزامي، إلا أن احترامه يظل محل تساؤل في ظل غياب معطيات رسمية دقيقة ومُحيّنة للعموم.

بين كلفة الصمت وخيار الحسم
اليوم، لم يعد النقاش حول “سامير” مجرد مطلب نقابي أو ملف قضائي عالق، بل تحول إلى ورقة استراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

فاستمرار الوضع الحالي يعني:
• تعميق التبعية للأسواق الدولية؛
• استمرار تقلب الأسعار دون أدوات ضبط داخلية؛
• وتزايد الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين.

في المقابل، يطرح خيار إعادة تشغيل المصفاة تحديات معقدة، تشمل كلفة الاستثمار، الإطار القانوني، وهوية المستثمر المحتمل، إضافة إلى الإرادة السياسية الحاسمة.

بين واقع دولي متقلب وضغط داخلي متزايد، يقف المغرب أمام لحظة مفصلية في تدبير ملف الطاقة. فإما الاستمرار في نموذج قائم على الاستيراد والتكيف مع تقلباته، أو الانتقال نحو رؤية أكثر استقلالية، يكون فيها التكرير جزءاً من منظومة متكاملة للأمن الطاقي.

وفي ظل هذه المعادلة، يبقى السؤال قائماً:
هل تتحول أزمة الأسعار إلى فرصة لإعادة بعث “سامير”، أم يستمر الملف في دائرة العرقلة والنسيان؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.