“ليلة العيد.. حكومة أخنوش في قفص الاتهام الشعبي بعد أسبوعين من جحيم الأسواق”

0 35

أولى نيوز – تحليل سياسي

لم تكن ليلة العيد هذه السنة مجرد محطة عابرة في الوجدان المغربي، بل تحولت إلى لحظة غضب جماعي واختناق اجتماعي غير مسبوق، بعدما وجد ملايين المغاربة أنفسهم أمام واقع معيشي قاسٍ، عنوانه الأبرز: أسعار مشتعلة، أسواق منفلتة، وحكومة تبدو عاجزة ـ أو غير راغبة ـ في وقف النزيف اليومي الذي يلتهم القدرة الشرائية للمواطنين.

على امتداد أسبوعين كاملين، عاش الشارع المغربي على إيقاع ما يمكن وصفه بـ“جحيم الأسواق”، حيث تحولت رحلة البحث عن أضحية العيد إلى كابوس حقيقي للأسر البسيطة والمتوسطة، بعدما بلغت أسعار الأكباش مستويات صادمة، في مشهد لم يعد فيه المواطن يسأل عن الجودة أو السلالة، بل صار يبحث فقط عن “أرخص خسارة ممكنة”.

لكن الغضب هذه المرة لم يكن موجهاً فقط نحو المضاربين والسماسرة و”شناقة الأزمات”، بل اتجه مباشرة نحو حكومة عزيز أخنوش، التي تواجه اليوم واحدة من أعنف موجات السخط الشعبي منذ وصولها إلى السلطة. فالمغاربة الذين صوتوا على وعود “الدولة الاجتماعية” و”تحسين المعيشة” و”دعم الطبقة الوسطى”، وجدوا أنفسهم أمام حكومة تتقن لغة الأرقام والبلاغات، لكنها تبدو بعيدة تماماً عن نبض الأسواق وآلام المواطنين.

الشارع لا يتحدث اليوم عن “أزمة ظرفية”، بل عن شعور عام بانهيار الثقة. فحين تعجز الأسرة المغربية عن شراء أضحية العيد، وتجد نفسها مضطرة للاستدانة من أجل اقتناء أبسط المواد الغذائية، فإن الأمر لم يعد مجرد اختلال اقتصادي، بل تحول إلى أزمة سياسية واجتماعية وأخلاقية تضرب في عمق العلاقة بين المواطن والدولة.

حكومة أخنوش حاولت تسويق رواية جاهزة: الجفاف، الأزمة العالمية، ارتفاع كلفة الاستيراد، الحرب، تقلبات السوق الدولية… لكن هذه المبررات، وإن كانت تحمل جزءاً من الحقيقة، لم تعد تقنع مغربياً يقف يومياً أمام أسعار ملتهبة لا ترحم أحداً. فالمواطن البسيط لا يقرأ التقارير الاقتصادية، بل يقرأ فاتورة السوق، ويقيس نجاح الحكومات من خلال قدرته على العيش بكرامة، لا من خلال المؤشرات التقنية والخطابات الرسمية.

والأخطر من كل ذلك، أن صورة الحكومة أصبحت مرتبطة في المخيال الشعبي بمشهد “الفرجة السياسية” أكثر من الفعل الميداني. فبين خرجات التواصل المرتبكة، والصمت المثير في لحظات الاحتقان، شعر كثيرون أن الحكومة تركت المواطن وحيداً في مواجهة تغول المضاربة واحتكار الأسواق وجشع الوسطاء.

في المقابل، لم يعد الرأي العام ينظر إلى الأزمة باعتبارها مجرد نتيجة لعوامل خارجية، بل بات يطرح أسئلة أكثر حدة: أين ذهبت وعود محاربة الاحتكار؟ من يحمي لوبيات الأسعار؟ ولماذا تبدو الدولة قوية في كل الملفات إلا حين يتعلق الأمر بجيب المواطن؟

ليلة العيد هذه السنة كانت بمثابة “استفتاء اجتماعي” غير معلن على أداء الحكومة. ففي المقاهي والأسواق وصفحات التواصل الاجتماعي، لم يكن الحديث عن الأجواء الاحتفالية، بل عن الغلاء، والعجز، والإحباط، وعن شعور واسع بأن الطبقة السياسية فقدت القدرة على فهم نبض الشارع الحقيقي.

وإذا كانت الحكومات تُحاسب عادة عبر صناديق الاقتراع، فإن حكومة أخنوش وجدت نفسها هذه المرة أمام محاكمة شعبية مفتوحة، قاضيها هو المواطن البسيط، وأدواتها هي الأسعار الملتهبة والقدرة الشرائية المنهارة. وهي محاكمة قد لا تصدر أحكامها اليوم، لكنها تترك دون شك أثراً عميقاً في الوعي الجماعي للمغاربة.

في النهاية، قد تنتهي أجواء العيد خلال أيام، لكن الأسئلة الثقيلة ستبقى معلقة فوق رأس الحكومة: كيف تحولت وعود “الدولة الاجتماعية” إلى شعور جماعي بالاختناق؟ وكيف أصبح العيد، الذي كان رمزاً للفرح والتكافل، موسماً سنوياً للقلق والديون والانكسار الاجتماعي؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.