“أدب المراحيض”… حين كانت الجدران دفتر البوح الممنوع قبل زمن الشبكات الاجتماعية

0 42

لم تكن الجدران داخل بعض المؤسسات التعليمية مجرد فضاءات صامتة محايدة، بل كانت في زمن ما بمثابة أرشيف سري لذاكرة التلاميذ، وفضاءً بديلاً لحرية التعبير حين كانت الكلمة تُراقَب، والحوار يُضبط، والانفعال يُكتم داخل الأقسام. وبين كل تلك القيود، كان هناك متنفس غريب ومثير في آن واحد: جدران المراحيض.

قبل أن تتحول الشاشات إلى ساحات مفتوحة للنقاش والتعبير، كانت مراحيض بعض الثانويات، ومنها مؤسسات تعليمية بمدينة سلا، تؤدي وظيفة غير معلنة لكنها حاضرة بقوة في الحياة اليومية للتلاميذ. لم تكن مجرد أماكن لقضاء الحاجات البيولوجية، بل كانت فضاءً اجتماعياً موازياً، تتقاطع فيه أصوات الصمت مع كتابات عابرة، بعضها عفوي وبعضها غاضب، وبعضها الآخر ساخر إلى حد اللدغ.

هناك، على الإسمنت البارد والمتشقق، كانت تُكتب الحياة كما تُعاش داخل المؤسسة: أسماء أساتذة تتصدر المشهد مرفوقة أحياناً بعبارات قاسية، نقاشات كروية لا تخضع لأي منطق سوى الانفعال اللحظي، وتلميحات حول علاقات عاطفية داخل الأسوار الدراسية، تُروى دون حذر أو رقابة. كانت الجدران تتحول إلى ما يشبه “جريدة يومية غير رسمية”، يحررها التلاميذ بأنفسهم، وتُقرأ دون اشتراك ولا توزيع.

في تلك المساحة الرمادية بين الممنوع والمسكوت عنه، كان التلاميذ يجدون لأنفسهم حقاً مؤقتاً في البوح. المدخنون يتقاسمون السجائر في الخفاء، وآخرون يهربون من ضغط الدروس إلى كتابة جملة أو تعليق، وكأن الجدار صار صديقاً لا يحاكم ولا يقاطع. ومع مرور الوقت، تشكلت لغة خاصة، خليط من السخرية والاحتجاج والمزاح الثقيل، لا تخضع لأي قواعد لغوية أو أخلاقية مؤطرة.

لكن هذا “الفضاء الحر” لم يكن دائماً بريئاً. فإلى جانب التعبير العفوي، تسللت عبارات جارحة، وأحكام شخصية، وتجاوزات لفظية طالت أحياناً أساتذة أو تلاميذ أو علاقات إنسانية داخل المؤسسة. وهنا بالذات يبرز الوجه الآخر لهذه الظاهرة، حيث يتحول التعبير من متنفس نفسي إلى مساحة قد تُنتج التبخيس أو التشهير أو الإيذاء المعنوي، في غياب أي تأطير تربوي أو توجيه حواري.

من زاوية تربوية واجتماعية، يمكن قراءة هذه الظاهرة كمرآة لمرحلة عمرية حساسة، يعيش فيها التلميذ صراعاً بين الحاجة إلى التعبير وغياب الوسائل المؤطرة لذلك. فكلما غابت قنوات الحوار داخل المؤسسة، كلما ظهرت بدائل غير رسمية، حتى وإن كانت عشوائية أو صادمة في شكلها.

ومع التحول الرقمي، انتقل هذا “الأدب الجدراني” من الإسمنت إلى الشاشة، ومن الكتابة الخفية إلى النشر العلني. تغيرت الوسيلة، لكن الجوهر بقي نفسه: رغبة عارمة في الكلام، في الاعتراف، وفي كسر الصمت. غير أن الفرق الجوهري اليوم هو أن الكلمة لم تعد تُمحى بسهولة، بل تُحفظ، وتُشارك، وقد تتحول إلى أثر دائم يتجاوز حدود المؤسسة إلى فضاء أوسع وأكثر تعقيداً.

هكذا، تبدو جدران المراحيض اليوم جزءاً من ذاكرة تعليمية واجتماعية صامتة، وثيقة غير رسمية عن زمن كان فيه التلميذ يكتب ذاته على جدار، قبل أن يجد في الهاتف المحمول منبراً أكثر اتساعاً… وأشد خطورة في آن واحد.
تحقيق.. محمد النوري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.