“المسار الصحفي.. حين تتحول الذاكرة المدرسية إلى شهادة تاريخية على جيلٍ صُنع من الإرادة”
من ذاكرة الهامش
بومالن دادس-أولى نيوز.
أكتب هذه الكلمات، وفي كل مرة يعود فيها موسم نهاية الدراسة، تتزاحم في ذاكرتي وجوه لم تغادرني منذ عقود. وجوه زملاء جمعتنا مقاعد الثانوية التأهيلية ببومالن دادس، في منتصف ثمانينيات القرن الماضي؛ زمنٌ كنا فيه صغار السن، كبار الأحلام، نتقاسم نفس الطموحات وننهل من معينٍ واحد، رغم قلة ذات اليد وشحّ الإمكانيات.
لم نكن نملك شيئاً بالمعايير المادية، لكننا كنا نملك كل شيء بالمعيار الإنساني: إرادة لا تنكسر، وشغفاً بالمعرفة لا يخبو. واليوم، وبعد كل هذه السنوات، أشعر أن من واجبي الأخلاقي والمهني أن أستحضر تلك الوجوه، لا من باب الحنين فقط، بل من باب الشهادة لما يستحقه جيلٌ صنع نفسه في صمت، بعيداً عن الأضواء.
في تلك الحقبة، لم يكن التعليم ترفاً ولا تجربة مهيأة في فضاءات مثالية، بل كان أشبه بمعركة يومية يخوضها التلاميذ والأطر التربوية معاً، في ظل واقع صعب وإمكانات محدودة. كانت الأقسام الدراسية تعاني هشاشة البنية التحتية، والإنارة كثيراً ما تخذل التلاميذ، بينما يظل الماء الصالح للشرب حلماً مؤجلاً أكثر منه حقاً متاحاً. ومع ذلك، كان الإصرار أقوى من كل هذه النواقص.
الثانوية التأهيلية ببومالن دادس، رغم قسوة الظروف، كانت مصنعاً حقيقياً للأمل، تخرج منه شباب شقوا طريقهم في الحياة بإمكاناتهم الذاتية، وبما تراكم لديهم من صبرٍ ومثابرة، أكثر مما توفر لهم من وسائل.
أما الأساتذة، فقد كانوا في قلب هذه المعادلة الصعبة. أدوا رسالتهم التربوية بما يفوق حدود الإمكانيات المتاحة، في زمن لم تكن فيه الوسائل التعليمية متوفرة، ولا الدعم اللوجستي كافياً، لكن كان لديهم ما هو أعمق وأبقى: ضمير مهني حي، وإيمان حقيقي برسالة التعليم. كانوا يمنحون بلا حساب، ويزرعون في عقول وقلوب تلامذتهم قيماً لم تستطع السنون محوها، ولا المسافات طمسها.
ومن بين تلك الوجوه التي ما تزال حاضرة في الذاكرة رغم مرور العقود، تبدو في هذه الصورة التذكارية عبد الله سدراتي، كاتب هذه السطور، واقفاً على اليمين، وإلى جانبه شقيقه سعيد سدراتي، فيما يقف إلى يسارهما السيد علي حمداوي. صورة تختزل مرحلة كاملة من عمر جيلٍ تربى على البساطة والكفاح، في زمن كانت فيه الأحلام أكبر من الإمكانيات، وكانت المدرسة فضاءً لصناعة الرجال قبل أن تكون مجرد مؤسسة للتعليم. إنها لحظة موثقة من ذاكرة جماعية لا تستحضر الأشخاص فقط، بل تستعيد روح مرحلة شكلت وجدان أبناء بومالن دادس، ورسخت فيهم قيم الاجتهاد والتضامن والإيمان بأن النجاح يُصنع بالإرادة قبل الوسائل.
اليوم، حين نسترجع تلك المرحلة، لا نعود فقط إلى صور الماضي، بل نفتح ملف جيلٍ كاملٍ تشكل في ظروف صعبة، لكنه خرج منها أكثر صلابة، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة. إنها ليست مجرد ذكريات مدرسية، بل شهادة زمنٍ على أن الإرادة، حين تُترك بلا قيود، قادرة على صنع المعجزات في أبسط البيئات وأكثرها قسوة.
“مقال للأستاذ عبد الله سدراتي، بتصرف وإعداد: محمد النوري.”