أزمة العمل الجمعوي بجهة بني ملال-خنيفرة…نعم لمحاسبة الجمعيات وتتبع عملها.
ذ حسن تزوضى :أستاذ باحث وفاعل جمعوي .
يعد العمل الجمعوي في المغرب بشكل عام من الركائز الأساسية التي تسهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، فهو يعبر عن فلسفة تنهض على فكرة ضرورة إشراك المواطنين والهيئات الأهلية والمدنية في تدبيرالشأن العام وجعلهم ينخرطون في تنمية مناطقهم، فالعمل الجمعوي يندرج في إطار المقاربة التشاركية كخيار استراتيجي تتبعه البلاد في تدبير امورها، غير أن هذا القطاع يشهد في العديد من الجهات، ومنها جهة بني ملال خنيفرة، العديد من الإشكاليات والاختلالات التي تؤثر على جدواه وفعاليته .
ففي سياق تناسل أخبار عن عزم مجلس جهة بني ملال خنيفرة محاسبة ومساءلة الجمعيات التي تتلقى دعما عموميا عن مصير هذه الأموال ،ونظرا لأهمية الدور الذي تضطلع به الجمعيات في النهوض بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبئية لساكنة الجهة، لابد من المساهمة في تشخيص وضع العمل الجمعوي داخل الجهة ،ومن هذا المنطلق نرى أن الكثير من جمعيات المجتمع المدني داخل جهة بني ملال خنيفرة تعيش وضعا مأزوما، نجمل تجليات هذه الازمة في مايلي :
لعلى اول مظاهر هذه الازمة التي يعانيها العمل الجمعوي بالجهة وجود خخل في فهم معنى العمل الجمعوي لدى العديد من الفاعلين، فبدلاً من أن ينظر إليه كعمل تطوعي انساني ووسيلة لخدمة الصالح العام وتحقيق التنمية المستدامة، أصبح العديد من الفاعلين في هذا القطاع يعتبرونه كفرصة للارتقاء الشخصي وتحقيق المصالح الفردية، فقد أصبح العمل الجمعوي عمل من عمل له ،هذا بالإضافة إلى أن الكثير من الجمعيات تفتقر إلى رؤية وتصور واضح حول الأهداف التي قامت من أجلها ، ففي كثير من الحالات تكون أهداف هذه الجمعيات ضبابية أو غير محددة، فالكثير منها لا وجود لها إلا على الورق، فقد ثم تفريخها لغايات في نفس يعقوب ،بل حتى الجمعيات الموجودة واقعيا يفتقر مسيروها وأعضاؤها إلى المعرفة بثقافة العمل الجمعوي والقوانين المؤطرة له ،فقد صارت الكثير الجمعيات مرتعا للأميين الجهلة.
ينتج عن الوضع السابق سيادة الأنانية والانتهازية في صفوف الفاعلين الجمعويين في المنطقة، حيث أصبحت بعض الجمعيات مجالاً للبحث عن الأهداف الشخصية ، فالكثير من الأفراد ينخرطون في العمل الجمعوي لا بدافع خدمة المجتمع، بل لتحقيق مكاسب شخصية، مثل التسلط أو تحسين الوضع المالي بطرق غير مشروعة، هذا السلوك يقوض أسس العمل الجمعوي ويحول دون تحقيق أي تقدم في القضايا التي يفترض أن تتبناها الجمعيات، كالتنمية المحلية، والتعليم، والصحة.
لقد أصبح العمل الجمعوي أيضا في العديد من الحالات ساحة لتصريف المواقف السياسية والإيديولوجية، فالكثير من جمعيات المجتمع توظف كأداة لتحقيق أهداف سياسوية أو إيديولوجية ضيقة، حيث تحاول بعض القوى السياسية استخدام الجمعيات لتكريس الولاءات السياسية أو القبلية أو الدينية ، مما يساهم في انقسام المجتمع ويشجع على التبعية الحزبية والفكرية بدلاً من تعزيز قيم التضامن التعاون والمبادرة الحرة وتحمل المسؤولية والاختيار الحر، هذا الواقع يؤدي إلى تفريغ العمل الجمعوي من محتواه الحقيقي وتوجيهه نحو غايات مناقضة لغايات العمل الجمعوي الحقيقية.
ومن أكبر المشاكل التي تواجه العمل الجمعوي في هذه الجهة ، نسجل غياب الشفافية المالية لا من حيث مصدر التمويل، ولا من حيث كيفية صرف هذه الأموال، فالكثير من الجمعيات تتلقى تمويلا عموميا أو خاصا دون أن تكون هناك أية محاسبة ،كما أن هذه الجمعيات لا تحترم القانون الداخلي فهي لا تعقد جموعات عامة ولا تقدم تقارير مالية دورية لمنخرطيها مما يفتح المجال للفساد والاغتناء غير المشروع ، كما أن هناك ازدواجية المعايير في التعامل مع الجمعيات فيما يرتبط بالتمويل، فالجمعيات الموالية لأحزاب معينة أو لأشخاص يملكون علاقات سياسية أو قبلية قوية تحضى دائما بحصة الاسد، هذا الوضع يجعل من الجمعيات أداة للنفوذ الشخصي والسياسي بدلاً من أن تكون آلية للنهوض بالمجتمع المحلي، ومن بين الاشكالات التي تعيق تقدم العمل الجمعوي ونجاعته نجد ايضا غياب التقييم والتتبع لعمل الجمعيات ، حيث لا يتم محاسبة هذه الجمعيات عن فعاليتها وعن مصير الأموال التي تتلقاها.
تساهم المحسوبية السياسية في إقصاء العديد من الجمعيات التي تعمل بنزاهة من الحصول على التمويل والدعم، هذا الإقصاء يعيق عمل الجمعيات المستقلة التي لا ترتبط بالسلطة المحلية أو الأحزاب السياسية السائدة، ويضعف قدرة المجتمع المدني على التعبير عن نفسه بشكل حر ومستقل، كما أن الجمعيات التي لا تتماشى مع الولاءات السياسية قد تجد نفسها في مواجهة تحديات كبيرة، بما في ذلك صعوبة الوصول إلى الموارد أو الدعم المؤسسي.
يعد غياب التتبع والتقييم -كما أسلفنا الدكر- من أبرز العوامل التي تعوق نجاح الجمعيات في المنطقة، فبدون وجود مؤشرات دقيقة لقياس أثر الأنشطة الجمعوية أو تقييم فاعليتها في تحقيق أهدافها، يصبح من الصعب تحسين الأداء ،فالكثير من الجمعيات تتلقى الدعم دون أن تقوم بأي عمل يذكر.
ختاما، أعتقد أن العمل الجمعوي في جهة بني ملال خنيفرة بحاجة إلى إصلاحات جوهرية لتحسين فعاليته ودوره في التنمية المحلية، يتطلب الأمر أولاً إعادة فهم حقيقة العمل الجمعوي وجعل خدمة المجتمع هي الهدف الأول بدلاً من تحقيق مصالح شخصية أو سياسية، ومن الضروري تعزيز الشفافية والمحاسبة في تمويل ودعم الجمعيات، والعمل على إنشاء آليات لتقويم الأنشطة وقياس نتائجها. كما يجب الابتعاد عن استغلال الجمعيات كأدوات لتحقيق الأجندة السياسية أو الإيديولوجية، والتركيز على تطوير العمل الجمعوي ليكون أداة فعالة للتأثير في المجتمع وقيادته لتحقيق التنمية الشاملة.