“تماوايت”: صوت الهوية وأغنية الروح في الثقافة الامازيغية “
الطاهري للامريم : أستاذة باحثة
تعد تماوايت نوعا من الشعر الغنائي العريق الذي كان ولا يزال يلعب دورا محوريا في الحفاظ على الهوية الثقافية للأمازيغ، وقد كانت تؤدّى في البداية بشكل فردي دون مرافقة موسيقية معتمدة على قوة الصوت والإيقاع الطبيعي للكلمات، ومع مرور الزمن، تطورت لتشمل آلات موسيقية مثل الكمان والعود، وباتت جزءا لا يتجزأ من الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية.
استُعملت تماوايت في زمن الحروب لبعث الرسائل المشفرة من جبل إلى جبل وفي زمن السلم للتواصل المرموز بين رجل وامرأة يجمعهما الحب ويؤرقهما الوجد.
لطالما كانت تماوايت “تلك الجوهرة الأمازيغية” رفيقة المسافر الأمازيغي فكلماتها العميقة وألحانها الساحرة تخفف عنه وطأة السفر وتسليه في وحدته.
كما أنها كانت تستخدم في المناسبات الاجتماعية مثل الأعراس والأعياد وكذا في المراسم الحزينة لتأبين الشباب الذين وافتهم المنية قبل الزواج، وقد لعبت المرأة الأمازيغية دورا بارزا في أداء هذا الفن الأصيل، فاستخدمت تماوايت للتعبير عن مشاعرها وهمومها خاصة خلال فترة الاستعمار حيث حولتها إلى وسيلة للمقاومة فغنّت عن الوطن والحب والحرية.
تعددت أغراض تماوايت، وقد غطت طيفا واسعا من المشاعر والعواطف. فمن ناحية كانت وسيلة للتعبير عن المشاعر بطريقة ملتوية رومانسية، ومن ناحية أخرى، استعملت كأداة للمقاومة والتعبير عن الهوية، كما حدث خلال فترة الإستعمار.
دور تماوايت في الثقافة المغربية :
تتجاوز تماوايت كونها مجرد أغنية لتصبح رمزا حيًّا للتراث الثقافي الأمازيغي، فهي أكثر من مجرد وسيلة للتعبير عن المشاعر، بل هي حارسة اللغة والأعراف والقيم التي تشكل هوية المجتمعات الأمازيغية.
يقول محـمد عابد الجابري في كتابه “التراث والحداثة” : «تماوايت تمثل نموذجا فريدا للتفاعل بين التعبير الفني والقيم الاجتماعية فهي ليست مجرد أغنية بل فضاء لنقل الحكمة والمعارف التقليدية التي تعكس روح الهوية الأمازيغية».
فمن خلال التناقل الشفوي عبر الأجيال حافظت تماوايت على تراث لغوي غني وأساطير وقصص تعكس حكمة الشعوب الأمازيغية، فقد كانت حجر الزاوية في المناسبات الاجتماعية مما ساهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وتقوية الروابط بين أفراد المجتمع. وقد وقفت كصوت للمقاومة الثقافية، حافظة على خصوصية الأمازيغ.
كما أثرت بشكل كبير على الأدب المغربي حيث استوحى منها العديد من الكتاب والشعراء أفكارًا ومعانٍ عميقة.
تماوايت في الأدب المغربي رواية “المغاربة” لعبد الكريم الجويطي
-الارتباط بالجذور
لجأ عبد الكريم الجويطي في رواية المغاربة إلى تماوايت كشكل من أشكال التداخل الوسيطي الذي يجمع بين السرد الأدبي والموروث الأمازيغي. هذا التداخل منح الرواية بُعدا متعدد الوسائط، حيث تتجاوز الكلمات المكتوبة لتصل إلى تفاعل سمعي وشعور عميق. فهي ليست مجرد صوت، ليست مجرد كلمات تُغَنَّى، بل هي لغة تصل إلى أعماق الوجدان ونغمة تسكن الروح وتعيد للإنسان إحساسه بذاته وبالكون من حوله.
يقول الجويطي في رواية المغاربة :«كان صوت حادة أوعكي بالأساس يبهرني ويبقيني مُجَمَّدًا مَسْحُورًا بيقين أن جرسه ليس من هذا العالم، وأن رنينه مثل برد العاصفة الذي ينزل كالمعجزة من السماء متلألأ في أماسي الصيف القائظة. وأحس أنها لا تُغَنّي للناس، بل تُعَنّفهم وتُوَبِّخُهُم لتوقظَهم من غفلتهم، ففي الصوت أيضا تَبَارِيحَ وجُشْنَ رسول لم يفهم من قومه كما ينبغي».
يبرز الجويطي هنا كيف أن “تماوايت” تتحول في الرواية إلى لوحة فنية تعكس روح الشعب الأمازيغي وتنقلنا عبر ألوانها وأحجامها إلى عالم من الأحاسيس والمخيلة. كما توقظنا من غفلتنا حيث تصبح رسالة تحريضية تحمل في طياتها توبيخا وتنبيها، فتماوايت ليست مجرد عنصر زخرفي في الرواية، بل هي نسيج متكامل مع بنية السرد، فهي الخيط الرابط بين الأحداث والمحرك الأساسي الذي يدفع بها إلى الأمام. فهي العمود الفقري للعلاقة بين الراوي محـمد الغافقي الأعمى وصفية الخادمة، حيث تؤثر بشكل كبير في تطور الأحداث.
فصوت صفية وهو يصدح “بتماوايت” هو بمثابة مفتاح يفتح أبواب الماضي والحاضر ويجمع بين الحنين إلى الجذور والتطلع إلى المستقبل.
يقول السارد : «ساق لي أيضا روائح الزعتر والخزامى ورائحة الخبز الخارج من إينور، ورائحة حليب الماعز، ورائحة السواك والحرقوس ورائحة القطران في أواني الشرب» ص : 199، هنا تتحول “تماوايت” إلى محفز نفسي يربط بين الماضي والحاضر ويعيد الاتصال بالجذور الأمازيغية من خلال استحضار تفاصيل الحياة اليومية والطقوس الثقافية. مما يعزز الارتباط بالبيئة الأمازيغية والجبل كجزء من الهوية المغربية الجامعة. فاستحضار صوت “حادة أوعكي” واحدة من أبرز أيقونات الغناء الأمازيغي ليس مجرد ذكر لشخصية تاريخية بل هو إعادة إحياء لصوت يعبر عن روح الجماعة الأمازيغية وتقاليدها.
يقول السارد : «كان صوت حادة أوعكي يبهرني ويبقيني مُجَمَّدًا مَسْحُورًا بيقين أن جرسه ليس من هذا العالم» ص:200
هنا يجعل الكاتب “تماوايت” من خلال صوت حادة أوعكي بمثابة نافذة تطل على عالم آخر، عالم من الجمال والأصالة يغوص في أعماق التاريخ ليعكس صورة شعب بأكمله.
– تماوايت / تماوت / موت
تماوايت، تماوت، موت، هكذا عبر السارد عن تماوايت. كلمات استعملها الكاتب ليعبر عن عمق التداخل بين المعنى الحرفي والدلالات الرمزية في السرد. فقد وظّف الجويطي هذه الكلمات لتصوير علاقة الإنسان الأمازيغي بالماضي والحاضر، بالحياة والموت وبالفن كوسيلة للتعبير عن الصراعات المجتمعية.
هذه الكلمات تدل على أن “تماوايت” هي صوت الحياة فهي تمثل مقاومة النسيان والموت الثقافي.
“تماوت” من الموت، كلمة ترتبط بمفهوم النهاية وقد تشير إلى الموت البطيء للثقافة أو للمجتمعات المهمشة التي تعاني الإقصاء والظلم.
تظهر هنا، كصورة عن الصراع الدائم بين الإستمرار والفناء، بين الغياب والحضور.
والغناء هنا، يُبقي الذاكرة حيَّة ويُعيد للإنسان ارتباطه بالجذور.
– شكوى المرأة
يبرز عبد الكريم الجويطي أيضا تماوايت كوسيط تعبيري. تعبر به المرأة عن معاناتها، قهرها، وحدتها وحنينها العميق إلى عالمها المفقود. فهي في الرواية وسيلة للتحرر العاطفي والروحي.
فالخادمة صفية تغني تماوايتها لتعبر عن قهرها ووحدتها، فيتحول الموال إلى أداة للكشف عن أعباء العمل وخيبات الأمل التي تعيشها المرأة في ظل نظام اجتماعي لا ينصفها.
يقول السارد :«خادمة ؟ نعم خادمة تشكو في تماوايتها قهرها ووحدتها وحنينها» ص: 227.
إن صوت صفية في “تماوايت” لا يقتصر على التعبير عن معاناتها الشخصية، بل يتحول إلى لسان حال كل امرأة مهمشة في المجتمع ليكشف عن آلام مجتمعية عميقة.
– الحب بالسماع
بأداء ساحر، نجحت صفية في أن تصل إلى قلب الراوي عبر نغمات “تماوايت”. فقد كان صوتها لغة عالمية تفهمها القلوب، فوقع في حبها قبل أن يعرفها، مستمتعا بتأثيرها العاطفي القوي.
يقول السارد : «وفيما يشبه صعقة حب أحسست بأن هذا الصوت الفني المتفجع قسمني من الدنيا» ص:199
ويقول أيضا : «وانخطف قلبي وأنا أسمع الصوت نفسه. بدأ خافتا مثل المرة الأولى. ثم تصاعدت قوته حتى صار مثل عاصفة تقتلع كل ما يعترضها. انتابني ذعر كبير ونزّ من جسدي عرق بارد، وكدتُ أن أمضي نحو الدرج مُهرولا، لو لم أتمالك نفسي، واعترتني رجفة شديدة حِرتُ بعد ذلك في تفسيرها» ص:208.
إن حب محمـد الغافقي لصفية في الرواية قريب من التصور الذي يقدمه ابن حزم في كتابه “طوق الحمامة” في باب “من أحب بالسماع”. حيث يعبر عن نوع من الحب يتجاوز المظاهر الجسدية. ذلك الحب الذي ينشأ من الانجذاب إلى الروح التي تنعكس في الصوت، مما يجعل العلاقة أكثر عمقا.
نستشف من هذا القول أن الصوت هو وسيلة اتصال روحي، تكشف عن أعماق النفس البشرية وتقرب بين العاشقين.
ففي صوت صفية وهو يرتقي في سماء تماوايت يتجلى الوصال بين الفن والروح فيجد الراوي نفسه منسجما مع عالمها في تجربة فريدة تدمج الجمال الموسيقي بالعمق الروحي، فصوتها يحمل في طياته تاريخا وحضارة يربط الراوي بجذوره وأصالته.
يقول السارد : «يا لجموع قلبي الغضّ، ويا لخيالاتي الحمقاء، فسرعان ما كَسَوْتُ الصوت جسدا بضا مبللا، بنهدين نافرين، وشعر أسود فاحم بطول شعور أميرات الحكايات، وعينين مُتَّقدَتَين ولاسعتين، وفم شهواني يخدش القلب…» ص:199.
هذا المشهد يعبر عن أن الحب هنا، ليس مرتبطا بالشكل أو اللقاء الجسدي، بل هو حب روحاني تغذّيه الحواس والخيال.
فحب الغافقي الأعمى لصفية يتعدى كونه مجرد تجربة عاطفية ليصبح حالة من التأمل الوجودي. “فتماوايت” أخذته إلى عالم من الأحلام والخيالات. مما جعله يعيد نظرته للحياة.
يقول السارد :«الصوت كان كالمعجزة يعيد بناء الزمن والمكان».
– تطور الأحداث
شهدت الرواية تحولا جذريا بفعل التماوايت، حيث انتقلت من كونها مجرد تراث شفهي إلى قوة دافعة تشكل شخصية الراوي وتوجه مسار الأحداث. يبدأ هذا التحول بحب الراوي لصفية عبر تماوايت، ثم يتحول إلى شغف لاكتشاف الذات. وبذلك تصبح “تماوايت” أكثر من مجرد فن شعبي فهي لغة حب تتحدث بها الحواس، لغة تبني جسورا بين القلوب والعقول ومرآة تعكس عمق الجذور الثقافية والتاريخية حيث تغني بتناغم الثقافات، مما يضفي على الرواية سحرا خاضعا.
يقول الجويطي في احدى الحوارات:« إنني أراهن على الأشياء التي ترى والتي تسمع، لأن وعينا بالعالم يتشكل من هاتين الحاستين خاصة، إضافة إلى الحواس الأخرى، فحواسنا هي ما يمكننا من عقد العلاقة بيننا وبين العالم. وعند فقدان إحدى هذه الحواس يصبح اتصالنا بالعالم ناقصا، ونحن نمتلك العالم والأشياء من خلال الحواس.»
لذلك ،نجد هذا الحضور الحسي موجود ومتكرر في رواياته، فهو ،كما يقول، «مهووس بعلاقة حواسنا بالعالم»، إلا أن هناك سؤالا يطرحه دائما:« هل تعطينا الحواس صورة حقيقية عن العالم؟!»
إن تساؤل الكاتب عن هذه الصور المنقولة من خلال الحواس ، وعن مدى صدقها، ودقتها في نقل الواقع، هو ما يمثل مدخلا للقارئ من أجل الإبحار في هذه العوالم السردية، والتمعن في الكائنات الروائية، وتأويلها ، وإعادة تشكيلها ، كلٌّ حسب خلفياته وترسانته اللغوية والثقافية والإيديولوجية.