#جريمة_ثقافية في #تيلوگيت لجنة و فرق و عمل لهدم العمارة التاريخية و التراثية
في خطوة تثير #الاستغراب و #الاستنكار الشديدين، قررت السلطات المحلية بجماعة #تيلوكيت تشكيل لجنة #لهدم مجموعة من #المباني_التاريخية و التراثية بتيلوكيت المركز، في تناقض صارخ مع التوجه الوطني للحفاظ على التراث الثقافي و في استهتار واضح بالجهود المضنية التي بذلت على مدى سنوات لجرد و توثيق هذا التراث المعماري الفريد. الملف، كما نعلم و نُعلم به، موجود حالياً لدى السلطات الإقليمية بعمالة إقليم أزيلال قصد “التدارس” و “الموافقة”، و كأن الأمر يتعلق بمشروع #تنموي عادي، لا ب #جريمة_ثقافية منظمة تستهدف ذاكرة جماعية و إرثاً حضارياً لا يُعوض.
أكتب هذه الكلمات و أنا في حالة من الغضب و الإحباط الشديدين. أنا الذي أمضيت شهورا طويلة في الميدان، أجوب أودية تيلوكيت و جبالها ركنا و دواراً و قفاراً، أوثق كل بناية تاريخية، أدون تفاصيلها المعمارية، أصورها، أدرس خصائصها، أسأل الأهالي عن تاريخها و ذكرياتهم المرتبطة بها. أنا الذي أنجزت، بدعم من #المحافظة الجهوية للتراث الثقافي، و بتعاون مع جمعية أناروز و فعاليات محلية و خبراء و اطر، جرداً ميدانياً شاملاً للتراث المعماري في تيلوكيت، هذه القرية التي تعد من بين القرى القلائل في المغرب التي استفادت من مثل هذا الجرد الدقيق و الموثق. أنا الذي كنت أعتقد، بسذاجة ربما، أن هذا الجرد سيكون خطوة أولى نحو #ترميم هذه المباني و تثمينها و #إدماجها في مشاريع تنموية سياحية و ثقافية تخدم الساكنة المحلية و تحافظ على الذاكرة الجماعية. لكنني أُصدم اليوم بأن كل هذا الجهد قد يذهب هباءً منثوراً، و أن المعركة الحقيقية ليست ضد الإهمال و عوامل الزمن، بل ضد قرارات #إدارية متسرعة و #غير_مدروسة تستهدف هدم ما تبقى من هذا التراث.
تيلوكيت، هذه الجماعة الجبلية بإقليم أزيلال، ليست مجرد قرية عادية. تشتهر جماعة تيلوكيت بالمنتزه الطبيعي مسفران، و يحتضن ترابها هيكل الديناصور العملاق المكتشف بتراب جيوبارك مكون. منطقة غنية بالتنوع الطبيعي و الجيولوجي و الثقافي، منطقة تتمتع بإمكانيات سياحية هائلة لم تُستغل بعد، و التراث المعماري الذي نتحدث عنه اليوم ليس مجرد “بنايات قديمة متهالكة” كما قد يصفها البعض #بجهل أو بسوء نية، بل هو جزء لا يتجزأ من هوية المنطقة، شاهد على تاريخها، و على نمط حياة أجيال متعاقبة، و على مهارات معمارية تقليدية توشك على الاندثار، و #لا_مثيل_لها في المغرب.
المباني التي يُراد هدمها اليوم هي بنايات ذات قيمة تاريخية و معمارية مثبتة بالوثائق و الدراسات. خلال الجرد الميداني الذي أجريناه، وثقنا كل تفاصيلها: تقنيات البناء التقليدية، المواد المحلية المستخدمة (الحجر، الطين، خشب العرعر)، الزخارف، التوزيع الداخلي للمساكن، التكيف المعماري مع المناخ الجبلي. كل هذه العناصر تشكل ثروة ثقافية لا تُقدر بثمن، و هي جزء من الموروث الجماعي الذي يجب الحفاظ عليه لا محوه.
في الوقت الذي صادق مجلس #النواب في 5 فبراير 2025 بالإجماع على مشروع قانون رقم 33.22 يتعلق بحماية التراث، و في الوقت الذي يهدف القانون إلى تأمين و حماية التراث المادي و غير المادي الوطني من محاولات الاستحواذ الأجنبي، و في الوقت الذي يتضمن مشروع القانون عقوبات مشددة للحد من المخالفات تعزيزاً للحماية القانونية للتراث الثقافي، نجد أن السلطات المحلية بتيلوكيت تتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً! بينما تتحدث الدولة على المستوى المركزي عن حماية التراث و تثمينه و الحفاظ على الذاكرة الجماعية، تقوم السلطات المحلية بتشكيل لجان لهدم هذا التراث!
هذا التناقض الصارخ يكشف عن خلل بنيوي في المنظومة الإدارية. القوانين تُسن في الرباط، و الخطابات الرسمية تتشدق بأهمية التراث، لكن على أرض الواقع، في القرى و البلدات النائية، تُتخذ قرارات كارثية بدون أي تنسيق مع الجهات المعنية بحماية التراث، و بدون أي استشارة للخبراء أو الفاعلين الجمعويين أو حتى الساكنة المحلية. كيف يُعقل أن تقرر جماعة محلية هدم مبانٍ تاريخية دون الرجوع إلى وزارة الثقافة؟ دون استشارة المديرية الجهوية للثقافة؟ و دون الاطلاع على الجرد الذي أنجز و الذي يثبت القيمة التراثية لهذه المباني ؟ و لا الاستشارة مع الفاعلين المحلين ؟
الأدهى من ذلك هو التوقيت. تيلوكيت من بين القرى القلائل في المغرب التي استفادت من جرد ميداني شامل للتراث المعماري. هذا الجرد، الذي أُنجز بجهود ذاتية و بإمكانيات محدودة لكن بإخلاص و حب للتراث، كان يُفترض أن يكون نقطة انطلاق لمشاريع ترميم و تثمين. كان يُفترض أن يكون أداة للتخطيط و للتنمية المستدامة. كان يُفترض أن يُستخدم لاستقطاب تمويلات وطنية أو دولية لإعادة تأهيل هذه المباني و تحويلها إلى فضاءات ثقافية أو سياحية تخلق فرص شغل و تدر دخلاً على الساكنة المحلية. لكن بدلاً من ذلك، يُستخدم هذا الجرد – بطريقة ملتوية و غير مباشرة – كأداة لتحديد المباني التي ينبغي هدمها!
هذا ليس فقط استهتاراً بالتراث، بل هو أيضاً استهتار بالجهود التي بذلها الفاعلون الجمعويون و الباحثون. نحن الذين أمضينا وقتنا و جهدنا و أحياناً مالنا الخاص لتوثيق هذا التراث، نُعامَل اليوم و كأن عملنا لا قيمة له، و كأن آراءنا لا وزن لها. لم يتصل بنا أحد من السلطات المحلية ليسألنا عن رأينا. لم يُدعَ أحد منا لحضور اجتماعات اللجنة المكلفة بدراسة ملف الهدم. لم يُطلب منا تقديم توصياتنا أو بدائلنا. اتُّخذ القرار في الخفاء، و نُعلم به بعد فوات الأوان، و يُطلب منا أن نصمت و نقبل بالأمر الواقع.
لكننا لن نصمت. لن نقبل أن يُهدم تراث تيلوكيت بقرار إداري متسرع. لن نقبل أن تُمحى الذاكرة الجماعية لأهالي المنطقة تحت ذريعة “التحديث” أو “التطوير العمراني” أو أي ذريعة أخرى. لن نقبل أن تتحول تيلوكيت إلى نسخة مشوهة من المدن الأسمنتية الرمادية التي تتكاثر في كل مكان، و التي لا
هوية لها و لا روح فيها.
ما هي الحجج التي تُساق لتبرير الهدم؟ هل يُقال إن المباني آيلة للسقوط و تشكل خطراً على السلامة العامة؟ إذا كان الأمر كذلك، فالحل هو الترميم لا الهدم. هل يُقال إن أصحاب المباني يريدون هدمها و بناء منازل جديدة؟ إذا كان الأمر كذلك، فأين دور الدولة في حماية التراث الذي هو ملك للأمة بأسرها، لا ملك لأفراد يتصرفون فيه كيفما شاءوا؟ هل يُقال إن التكلفة المالية للترميم باهظة؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تُطلب مساعدات من برامج وطنية أو دولية متخصصة في حماية التراث؟ لماذا لا يُفتح باب الشراكة مع منظمات دولية أو مع مستثمرين مهتمين بالسياحة الثقافية؟
الحقيقة المرة هي أن المشكلة ليست تقنية و لا مالية، بل هي مشكلة إرادة سياسية و وعي ثقافي. السلطات المحلية، و للأسف أيضاً بعض المسؤولين على المستوى الإقليمي، لا يرون في التراث المعماري أي قيمة. بالنسبة لهم، البناء القديم هو بناء متخلف يجب إزالته و استبداله ببناء “حديث” من الإسمنت المسلح و البلاط اللامع. لا يفهمون أن التراث المعماري هو ثروة اقتصادية قبل أن يكون ثروة ثقافية. لا يفهمون أن السياح – المغاربة منهم و الأجانب – يأتون إلى المناطق الجبلية بحثاً عن الأصالة و التراث، لا بحثاً عن عمارات إسمنتية يمكنهم رؤية مثلها في أي مدينة. لا يفهمون أن القرى التي حافظت على تراثها المعماري، مثل آيت بن حدو أو تافراوت أو بعض القصبات في الجنوب، أصبحت وجهات سياحية مهمة تدر دخلاً على ساكنتها.
تم تصنيف تراث المنطقة الأركيولوجي من طرف اليونيسكو منذ العام 2014 إرثاً عالميا، #جيوبارك_مگون. تيلوكيت جزء من هذا الجيوبارك العالمي، و لها إمكانيات سياحية هائلة. لكن كيف نجذب السياح إلى منطقة ندمر فيها تراثها المعماري بأيدينا؟ كيف نطلب من #اليونيسكو الاعتراف بقيمة تراثنا بينما نحن أنفسنا نحتقره و نهدمه؟
أوجه نداءً عاجلاً إلى كل الجهات المعنية:
إلى السيد #عامل_إقليم_أزيلال: أطالبكم بوقف ملف الهدم فوراً، و بفتح تحقيق شامل في الموضوع. أطالبكم باستشارة الجهات المعنية بحماية التراث قبل اتخاذ أي قرار. أطالبكم بالاطلاع على الجرد الميداني الذي أُنجز، و الذي يُثبت القيمة التراثية للمباني المستهدفة بالهدم.
إلى #المحافظة_الجهويةللثقافة ببني ملال – خنيفرة:
أتمنى ان تكون المؤسسة عند شرف اسمها، “محافظة محافِظة، هل تمّ تبليغكم بهذا و استشارتكم ؟ المرجوا ان تتدخلوا لوقف هذا العبث، ألستم المسؤولين عن حماية التراث في الجهة؟ ألا يوجب عليكم القانون الجديد لحماية التراث التدخل السريع عند تهديد أي مبنى تاريخي؟.
إلى #وزارة_الشباب_والثقافةوالتواصل: لقد صادقتم على قانون جديد لحماية التراث، و تفاخرتم بأنه يحتوي على عقوبات مشددة ضد من يعتدي على التراث الوطني. لكن هذا القانون سيبقى حبراً على ورق إذا لم تُفعَّل آلياته على أرض الواقع. تيلوكيت اختبار حقيقي لجديتكم في حماية التراث.
إلى #المجلس_الجماعي_لتيلوكيت: أنتم ممثلو الساكنة، و من واجبكم الدفاع عن مصالحها الحقيقية. هدم التراث المعماري ليس في مصلحة أحد. بل هو ضرر بليغ سيندم عليه الجميع لاحقاً، حين يكتشفون أنهم دمروا بأيديهم ما كان يمكن أن يكون مصدر دخل و تنمية لأجيال قادمة.
إلى أهالي تيلوكيت: هذا تراثكم، و ذاكرتكم الجماعية، و هويتكم. لا تسمحوا بأن يُمحى و يُهدم. تحدثوا، احتجوا، طالبوا بحقكم في الحفاظ على ما ورثتموه عن آبائكم و أجدادكم. لا تنخدعوا بوعود “التحديث” و “التطوير” الكاذبة. التنمية الحقيقية هي التي تحترم الماضي و تبني على أساسه، لا التي تمحوه و تشيّد على أنقاضه.
إلى الفاعلين الجمعويين و الباحثين و المهتمين بالتراث في كل المغرب: ما يحدث في تيلوكيت اليوم قد يحدث غداً في أي مكان آخر. يجب أن نتحد و نرفع صوتنا عالياً ضد هذا الاستهتار بالتراث. يجب أن نطالب بتطبيق صارم للقانون الجديد لحماية التراث. يجب أن نفضح كل محاولة لهدم أو تشويه أو إهمال التراث الوطني.
الخيار واضح: إما أن نختار طريق الحفاظ على تراثنا و ترميمه و تثمينه و جعله رافعة للتنمية المستدامة، و إما أن نختار طريق الهدم و المحو و قتل الذاكرة الجماعية. الطريق الأول يتطلب جهداً و صبراً و استثماراً، لكنه يضمن مستقبلاً أفضل لأجيالنا القادمة. الطريق الثاني سهل و سريع، لكنه يقودنا إلى فقدان هويتنا و إلى ندم لن ينفع معه شيء.
أنا، محمد وقسو، ابن تيلوگيت، طالب باحث و فاعل جمعوي، أقف اليوم شاهداً على جريمة ثقافية تُرتكب في حق تيلوكيت و في حق المغرب و البشرية كلها. و أعلن رفضي القاطع و احتجاجي الشديد على قرار الهدم. و أطالب بفتح حوار جاد و مسؤول حول مستقبل التراث المعماري في تيلوكيت، حوار يُشرك كل الأطراف المعنية: السلطات، المنتخبين، الفاعلين الجمعويين، الباحثين، الخبراء، و الساكنة المحلية. و أؤكد استعدادي الكامل، باسمي و باسم جمعية OCADD، للمساهمة في أي جهد جدي و مخلص لحماية و تثمين التراث المعماري لتيلوكيت.
التراث ليس ملكاً لجيل واحد، بل هو أمانة في أعناقنا، نحن مكلفون بحمايتها و نقلها إلى من يأتي بعدنا. و من فرّط في هذه الأمانة فقد خان الماضي و الحاضر و المستقبل معاً.
محمد وقسوا.