بين اختصاصات الجماعة والجهة والبرلمان.. لماذا يختلط النقاش حول مشاريع التنمية في الأقاليم؟
لا يكاد يمر نقاش عمومي حول حصيلة المنتخبين في عدد من الجماعات الترابية، إلا ويطفو على السطح سؤال يتكرر باستمرار: من المسؤول فعليًا عن جلب المشاريع التنموية؟ وهل يعود الفضل فيها لرئيس الجماعة، أم لعضو مجلس الجهة، أم للبرلماني؟ أسئلة تبدو مشروعة، لكنها كثيرًا ما تتحول إلى مادة للسجال السياسي بسبب الخلط بين الاختصاصات التي يحددها القانون لكل مؤسسة.
وفي هذا السياق، أثارت مشاريع مبرمجة أو منجزة بجماعة تغزوت نايت عطا بإقليم تنغير نقاشًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما اعتبر بعض المتابعين أن هذه المشاريع تدخل ضمن اختصاصات المجلس الجماعي، بينما رأى آخرون أن لمجلس جهة درعة تافيلالت دورًا أساسيًا في تعبئة الاعتمادات المالية والمصادقة على اتفاقيات الشراكة التي مكنت من إخراجها إلى حيز التنفيذ.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن اختزال التنمية في شخص أو مؤسسة واحدة لا يعكس واقع تدبير الشأن الترابي بالمغرب، إذ إن المشاريع الكبرى، خاصة المرتبطة بالماء الصالح للشرب، والطرق، والتطهير السائل، والكهرباء، غالبًا ما تنجز في إطار شراكات تجمع بين الدولة ومجلس الجهة والجماعات الترابية ومؤسسات عمومية متخصصة، حيث تتقاسم هذه الأطراف التمويل والتنفيذ والتتبع كل حسب اختصاصه.
ويؤكد مختصون في الحكامة الترابية أن عضو مجلس الجهة لا يملك سلطة تنفيذ المشاريع بشكل مباشر، لكنه يساهم في إعداد البرامج الجهوية، والدفاع عن إدراج المشاريع ضمن أولويات التنمية، والتصويت على الميزانيات واتفاقيات الشراكة، إلى جانب تتبع مراحل الإنجاز داخل المؤسسات الجهوية المختصة. وفي المقابل، يضطلع رئيس الجماعة بتنزيل المشاريع التي تدخل ضمن اختصاصات الجماعة، والتنسيق مع مختلف الشركاء لضمان تنفيذها على أرض الواقع.
أما البرلماني، فإن اختصاصه يظل مختلفًا، إذ يتمثل أساسًا في التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية، والدفاع عن قضايا المواطنين على المستوى الوطني، مع إمكانية الترافع سياسيًا لدى القطاعات الحكومية بشأن ملفات تنموية تخص دائرته الانتخابية، دون أن يكون الجهة المنفذة للمشاريع الترابية.
ويرى متابعون أن الجدل الدائر يكشف في جانب منه الحاجة إلى تعزيز الثقافة القانونية لدى الرأي العام بشأن توزيع الاختصاصات بين المؤسسات المنتخبة، حتى لا تتحول المشاريع العمومية إلى موضوع للمزايدات السياسية أو إلى وسيلة لتصفية الحسابات بين الخصوم.
وفي النهاية، يبقى المعيار الحقيقي الذي ينتظره المواطن هو الأثر الملموس للمشاريع على حياته اليومية، بعيدًا عن منطق نسب الإنجازات لهذا الطرف أو ذاك. فالتنمية المحلية ليست ثمرة مجهود فردي، وإنما نتيجة عمل مؤسساتي تشاركي تتداخل فيه أدوار الجماعة والجهة والدولة وباقي الفاعلين، في إطار رؤية واحدة هدفها تحسين ظروف عيش المواطنين وتحقيق العدالة المجالية بين مختلف مناطق المملكة.