“انتهى زمن الوعود… الآن الحساب على الطابلة (الطاولة).”
تنغير.. أولى نيوز.
في السياسة، لا شيء يظل معلقاً إلى الأبد بين الوعد والتنفيذ، ولا يمكن لأي تفويض انتخابي أن يتحول إلى فترة زمنية مفتوحة لإعادة إنتاج الخطاب نفسه دون أن يصل في لحظة ما إلى امتحان النتائج. فالانتخابات تمنح الشرعية، لكنها لا تمنح حصانة من السؤال، والمقعد الانتخابي يفتح باب المسؤولية قبل أن يفتح باب الوجاهة، ومن هنا يصبح تقييم الحصيلة، بعد مرور جزء معتبر من الولاية الانتدابية، حقاً طبيعياً للمواطن وواجباً أخلاقياً في ممارسة الشأن العام.
في إقليم تنغير، لا يتعلق الأمر اليوم بصناعة خصومة مع منتخب، ولا بتصفية حساب مع حزب أو تيار، وإنما بطرح سؤال يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه عميق في دلالته السياسية: ماذا تحقق فعلاً؟ فساكنة الإقليم التي منحت أصواتها لمن يمثلها داخل المؤسسات المنتخبة لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن خطاب جديد، وإنما تريد أن تعرف ماذا حمل ممثلوها من ملفات، وما القضايا التي دافعوا عنها، وما المشاريع التي تمت مواكبتها، وما المبادرات التي خرجت من دائرة الكلام إلى دائرة التنفيذ، وما الذي تعثر، ولماذا تعثر، وما الذي يوجد اليوم في طور الإنجاز.
لقد انتهى الزمن الذي يمكن فيه اختزال العمل الانتدابي في الحضور داخل الاجتماعات أو المشاركة في المناسبات أو الظهور في الصور. تلك كلها مظاهر من مظاهر العمل السياسي والتواصلي، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة حصيلة. فالحصيلة الحقيقية لها أثر، والأثر يمكن قياسه، والإنجاز يمكن توثيقه، والمشروع يمكن تتبع مراحله، والاعتماد المالي يمكن معرفة مساره في حدود ما تسمح به القوانين والمعطيات الرسمية. أما الكلمات، مهما كانت منمقة، فتبقى في نهاية المطاف كلمات ما لم تجد طريقها إلى الواقع.
وهنا تحديداً يصبح السؤال مشروعاً: أين هي الأرقام؟ أين هي المشاريع؟ أين هي المراحل التي قطعتها الملفات؟ أين هي نتائج الترافع؟ وما الذي تغير فعلياً في حياة المواطن؟
ليس المقصود بهذا السؤال إصدار حكم مسبق على أحد، ولا تحميل أي منتخب مسؤولية ما لا يدخل ضمن اختصاصاته، فالمساءلة الجادة تبدأ من التمييز بين الصلاحيات والمسؤوليات، ومن معرفة المؤسسة التي تملك القرار والجهة التي تملك التنفيذ. لكن هذا الإنصاف نفسه يفرض، في المقابل، ألا تتحول عبارة «ليست من اختصاصي» إلى مظلة عامة تعفي كل مسؤول من تقديم حصيلته في المجالات التي تدخل فعلاً ضمن نطاق انتدابه.
فالعمل المؤسساتي ليس منافسة في الخطابات، وإنما مسؤولية لها حدود واختصاصات وآليات قانونية. ومن يملك موقعاً داخل مؤسسة منتخبة يملك، في المقابل، أدوات للتدخل والاقتراح والترافع والتتبع، بقدر ما يسمح به القانون. ولذلك فإن السؤال عن كيفية استعمال هذه الأدوات ليس تدخلاً في صلاحيات المنتخب، وإنما جزء أصيل من حق المواطن في تقييم من اختاره لتمثيله.
إن إقليم تنغير لا يفتقر إلى الملفات التي تستحق الترافع، ولا إلى القضايا التي تنتظر حلولاً عملية. هناك تحديات مرتبطة بالتنمية المجالية، والبنيات الأساسية، والنقل، والماء، والصحة، والتعليم، وفرص الشغل، ودعم الاقتصاد المحلي، وتحسين جاذبية المجال والاستثمار، وغيرها من الملفات التي تجعل من العمل المؤسساتي المستمر ضرورة لا ترفاً سياسياً. ولذلك فإن قيمة أي تفويض انتخابي ينبغي أن تُقاس بمدى تحويل هذه الانشغالات إلى ملفات واضحة، ومقترحات عملية، ومرافعات موثقة، ومشاريع قابلة للتنفيذ والتتبع.
ومن حق المواطن أن يعرف أيضاً ما الذي لم يتحقق. فالحصيلة الجادة لا تعرض النجاحات فقط، وإنما تشرح كذلك الإخفاقات والتعثرات والإكراهات. وليس في الاعتراف بتعثر مشروع أو تأخر برنامج ما ينتقص بالضرورة من قيمة المسؤول، لأن السياسة الواقعية لا تقوم على ادعاء القدرة على تحقيق كل شيء، وإنما على الصراحة في تحديد ما يمكن تحقيقه، وما يتطلب وقتاً، وما يتجاوز الاختصاصات، وما اصطدم بإكراهات موضوعية.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الخطاب بديلاً عن الحصيلة، وعندما تتحول الوعود إلى ذاكرة قصيرة، بينما تبقى النتائج غائبة عن النقاش العمومي.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس المزيد من البيانات الإنشائية، ولا المزيد من السجالات السياسية، وإنما كشف واضح للحصيلة أمام المواطن. المشاريع التي تم تحقيقها، المشاريع التي توجد في طور الإنجاز، الاعتمادات المخصصة، نسب التقدم، الملفات التي تمت مراسلة الجهات المعنية بشأنها، المقترحات التي قدمت، والتدخلات التي يمكن توثيقها، مع توضيح ما تعذر تحقيقه وأسباب ذلك.
عندها فقط يمكن للرأي العام أن ينتقل من سؤال «من يقول الحقيقة؟» إلى سؤال أكثر موضوعية: «ماذا تقول الوثائق؟».
وهنا تكمن قوة الديمقراطية الحقيقية. فالوثيقة لا تنتمي إلى حزب، والرقم لا يحمل لوناً انتخابياً، ونسبة الإنجاز لا تحتاج إلى منصة انتخابية للدفاع عنها. إما أن يكون المشروع قد تحقق، أو أنه في طور التنفيذ، أو أنه لم يتحقق بعد، ولكل حالة معطياتها وأسبابها ومسؤولياتها التي ينبغي تحديدها بدقة ودون مبالغة.
أما النقاش حول التعويضات المرتبطة بالمهام الانتدابية والموارد العمومية، فيظل بدوره حقاً مشروعاً في إطار الشفافية، شريطة أن يستند إلى المعطيات الرسمية والقواعد القانونية، بعيداً عن التلميحات أو الاتهامات غير المثبتة. فالمساءلة لا تعني التشهير، والشفافية لا تعني إطلاق الأحكام، والصحافة الجادة لا تبني استنتاجاتها على الشائعات.
نحن أمام مرحلة ينبغي أن يصبح فيها المنتخب قادراً على تقديم حصيلته كما يقدم المسؤول المهني تقريراً عن عمله: ماذا وجد؟ ماذا اقترح؟ ماذا أنجز؟ ماذا تعثر؟ وما الذي يحتاج إلى استكمال؟ تلك ليست إهانة للمسؤول، بل احترام للموقع الذي يشغله وللمواطن الذي منحه ثقته.
لقد حان الوقت لأن يصبح الحساب السياسي مبنياً على الذاكرة، لا على النسيان. المواطن يتذكر الوعود، ويرى الواقع، ويقارن بينهما، ثم يقرر. وهذه هي أبسط قواعد الديمقراطية وأكثرها عدلاً.
لذلك، فإن «الحساب على الطاولة» لا يعني محاكمة أحد، ولا إعلان إدانة مسبقة، وإنما يعني وضع الحصيلة أمام صاحبها الأول: المواطن. الحساب هنا حساب سياسي ومؤسساتي، بين ما قيل وما تحقق، وبين ما كان ممكناً وما أنجز فعلاً، وبين ما يدخل ضمن الاختصاص وما يتجاوزه.
لقد انتهى زمن الوعود التي لا تجد طريقها إلى الأرقام، وانتهى زمن اعتبار السؤال السياسي خصومة شخصية، وانتهى زمن التعامل مع المواطن باعتباره ناخباً يظهر في موسم الانتخابات ويختفي بعد إعلان النتائج.
المواطن حاضر طوال الولاية، وحقه في السؤال قائم طوال الولاية.
ولهذا، فالسؤال اليوم ليس من معنا ومن ضدنا، وليس من يهاجم ومن يدافع، وإنما سؤال واحد ينبغي أن يجيب عنه الجميع بهدوء ومسؤولية: ماذا تحقق لإقليم تنغير؟
ضعوا الحصيلة على الطاولة، افتحوا الملفات، قدموا الأرقام، اشرحوا التعثرات، وأبرزوا ما تحقق. عندها لن تكون هناك حاجة إلى المزايدات، لأن الواقع سيتحدث بنفسه.
انتهى زمن الوعود… الآن الحساب على الطاولة.